158 - سفينة الطوفان الجديد للزمن الجديد 💕
سفينة الطوفان الجديد للزمن الجديد
1
رغم التطور العلمي والصناعي الهائل بالازمنة المعاصرة ، الا أنها بالمقابل
جلبت معها الازمة الانسانية المعاصرة أيضا، بما فيها من حروب لا تنتهي، ومآسى
وقتل وتدمير وتخريب وتهجير وخوف ورعب وارهاب متنقل، وتهديد باسلحة الدمار الشامل، الذرية النووية
والغازية والجرثومية والهيدروجينية ، وانتشار اشكال من الامراض التي يشك انها من
انتاج معامل التخريب كانفلونزا الطيور، ولربما نسمع عن انفلونزا الحمير والخرفان والكورونا وغيرها من الامراض والمآسي مما هو متوقع من شرور يخترعها الأنسان المعاصر مسخرا العلوم
للتفوق على خصومه علميا وسياسا وعسكريا واقتصاديا مستثمرا الشر فيها اكثر
من الخير...وازدياد التنافس على مصادر الطاقات والخامات المختلفة
الغازية والاحفورية من بترول وغاز
وزفت وانواع المعادن الثمينة والخطيرة
النافعة منها والضارة تلك للنفع وتلك للشر
والإضرار ولادارة القتال والحروب للفوز
بها بالقتل والتدمير والتشريد والارهاب والترهيب ، بلا رادع من ضمير او وجدان، ولنا بحرب غزة وما جرى
بها من تدمير وتهديم وقتل وتقتيل، وما سبقها وتلاها من حروب، لا زالت مستمرة تطحن
برحاها امما وشعوبا، وتسبب القلق والاضطراب
بعقل الانسان حتى غدا الانسان،
معقدا خائفا ، او وحشا شريرا.
*****
2
عَمَّ الفسادُ، كلَّ البلاد، بالشرق والغرب و
الشمال والجنوب، رغم انتشار المعابد وتكاثر الكهان من كل الألوان، وضعف اليقين
بالمُكَوِّن والتكوين. ورغم انتشار العلم والتعليم والعلماء
باسرار الكون والمجرات وباعماق البحار والمحيطات، وبعمق الارض وبين
ذرات اديمها، واهم المعادن وفنون الصناعة والتعدين، والزراعة والتنجيم والتنبؤ بالحال والاحوال.
والكبير الكبير الذي لا كبيرا قبله ولا كبيرا
بعده ، القائم بالاعالي، فوق طبقات السماء،
يرى انتشار الشر والاشرار، وتعاظم الحقد والاحقاد، والنم والنميمة بين كل العباد، فاصابه
الحزن على هذا المصير...الذي اوصل الانسان نفسه اليه.
فقرر الكبير
قراره
لا بد من اجراء، لإيقاف التدهور والانهيار، والعودة للحق والصواب، وإيقاف الاضطراب بافضل عدل معقول، لا ينفذ منها الشر والشرير
الرجيم.
تصاعد غضب الكبير الكبير القائم بكل مكان،
بالاعالي او باعماق البحار والمحيطات، او
فوق الاديم، او بمركز الكون غير معروف اين يكون، واين يسكن ويستكين.
فدعا المسؤولين لاجتماع عام، لتدارس الاوضاع واقرار مايجب من اصلاح يعيد
الامور لنصابها المأمول.
*****
3
تم عقد
الاجتماع. بدأ التشاور ودراسة الحال وكيف عم الفَسَدُ والفساد ، وما آلت اليه
الاحوال من سؤ مآل ، وكيف حلت وانتشرت بين
العباد، وتزداد ازدياد ، ودب بين
المجتمعين خلافٌ، وعَمَّ اختلاف ، هذا يدين ذاك وذاك يدين هذا ولم يتفقوا على اي حال، وتصاعد الخلاف يتبادلون الاتهام،
حول مسؤولية الانهيار، وكثرة العابثين.
وتساءل الكبير الذي لا قبله كبير ولا بعده
كبير سؤالا خطيرأ،
- كيف سيصير علاج
وتصليح، بهذا الجو من الخلاف
والاختلاف ...؟؟
ودب بقلب
الكبير، الذي لا يعرف احد، كم قلبه كبير... حزنٌ شديد وأسى مديد ...وبدا كئيبا خائبا كئيييييب ... يضرب راحة
اليد اليمين براحة اليد اليسار ويردد... ترديدا وترديد
- لا مجال، لا فائدة، ولا املاً بصلاح او اصلاح وتصليح...
- لا بد من
العودة للاصول، واعادة التأسيس وقواعد البناء،
-
واعادة التكوين
بخلق جديد،
- يتم انتاجه
من الصالحين المطيعين، والفاهمين المدركينَ إرادتي وحكمتي، والمطيعين طاعتي، بقلوب
الصفاء والنقاء والصدق الصادق والصدوق
عاد الكبير القهَّار والمقهور ينظر نحو مَجْمَع
المختلفين ، وهم ما زالوا يتجادلون ويتناكفون ويتبادلون الاتهامات انت، بل هذا، بل
انتما، بل انت وحدك مسؤول، بل كلكم معي مسؤولون، بل كلنا بالتقصير مقصرون ...!!
استشاط غضبه استشاطا كبيرا، فطرد المجتمعين،
من مَجْمَعِهمْ شرطردة، وأبعدهم عن محضره العظيم ، وقد اختلفوا امامه وبحضرته
وحضوره، بل تحت قدميه، دون احترام عظمته ولا قدرته، وأخرجهم من مقامه العالي ،
لزاويةِ قرارٍ بها يستقرون نادمين...
وهمس الكبير، همس العظيم العالي، المقيمُ بالاعالي، الذي لا تعرف له بدايه ولا تعرف له نهايه، فيتردد همسه كصوت رعد
رعيد يرعد ويعيد رعدا شديدا شديد
-
لا بد من التجديد... لا بد من التجديد...
-
الحل بالطوفان ...لا بد من طوفان جديد،
لانتاج زمن جديد...لا بد من نوح....
واستدعى اليه نوحا من مستودع الاتقياء
والموهوبين...استدعاء غاضب صريم...
*****
4
سمع نوح، صوت الراعد الرعيد، يهمس باسمه همس
الصارم الغضوب، يأتيه كوشوشة رياح، وزمجرة فيضان، فافتر ثغره عن ضحكة افتخار،
واغترار، لا بد للعظيم مني، لا احد غيري يطيعه طوعي وطاعتي، ويملك مثل مواهبي
،وقدرتي. استطيع فعل ما يريد، لمَّا يريد،
كلّ ما يرد، بامره الاكيد...لاني نوح
الواحد الوحيد...
واسرع بالسريع يسابق الزمن والمسافات
بسرعة البرق... واسرع من البرق
وبسرعة اللحظة ...واسرع من اللحظة
قاصدا محضر
الكبير العالي، الرابض بالاعالي. يلبي النداء وهو مغبوط بفرحة الافراح، يلهج
بالفرح بارتياح.
-
عاد الزمن زمني ، ما دام الكبير العظيم اتخذ
القرار بتكرار الطوفان لتجديد الوجود وتجديد الحياة ، كما يريد ويطمح ان تكون وكيف
تكون و ستكون...
ساصنع
سفينة نجاة وتجديد جديدة، من صلب
الحديد، وليس من الخشب الضعيف، لطوفان
الزمن الجديد للتجديد
.
فانا الصانع الماهر الوحيد، أصنع كل جديد، من
الخشب أصنع، ومن الحديد الصلب أصنع، ومن الستانلس ستيل ومن اي معدن موجود، ومن
البورسلان والاسمنت الاسود والابيض والجبصين، أصنع كل شكل وكل تشكيل...
ولما صار بمحضر الكبير وامام كرسي عظمته، دب
الخوف بقلبه دبيبا ...فافتقد سلاسة اللسان
وصار يتلعثم بالكلام ...مترددا...
متقطعا... بالكاد مسموع...
- انا بحضرة
مقامك ايها الكبير القادر والقدير، العالم والعليم ، خالق كل مخلوق ومخلوق، ورهن
اشارتك لمَّا تُشير، ورهن إرادتك لما تريد وما تريد وكيف تريد ، لك طاعتي، ولطاعتك
أنا خاضعٌ خَضُوعْ
-
ايااااااااا نووووح...!!
-
لقد عم الفساد بين العباد، وفشل المتيقنون
الصالحون فشلا اكيد،
فاجاب نوح متقطع الانفاس
-
لعله
الشيطان... لعله الشيطان، ايها الكبير الذي لا كبيرا قبله ولا كبيرا بعده
-
اسكت ولا
تتفلسف، لا شيطان الا الإنسان، وما يزرعه الذكور بارحام الاناث، فيعلق علقا عليق،
وبوقت معلوم يغادر معامل الارحام ، خديجا طريا يتلوى كأفعى ، وقد يزيد ليصير
أفعوانا شيطانا، كلما كبرونما واكتمل النماء، الاكتمال المطلوب
خاف نوح ان يستمر بالنقاش ، فينال غضب
الكبير، القادر العظيم، فيطرده طردا وخيم
، ويخلق نوحا غيره للزمن الجديد، فآثر
الصمت والسكوت، مطيعا جاهزا يجيب ويستجيب...
-
أياااا نوح
الزمن الذي مضى وفات...ستكون نوحَ الزمن الجديد الاتي بكل تأكيد ....
فرد نوح بكل خشوع
- طاعة اطيع ،
فانت الكبير الذي لا كبيرا قبله ولا كبيرا بعده، الغاضب الغضوب والراحم الرحيم،
هبني مواهب التنفيذ، أنفذ ... كل ما تريد
فاجابه الكبير الكبير،
-
اذهب ولا تكثر من الكلام ...اصنع سفينة
الحياة الجديدة للزمن الجديد لا يهمني أتصنعها من صلب الحديد او من الخشب الزان او
من التنك او الخيرزان ... تتسع لكل الصالحين، فهم قلة معدودة كالمعدود من كل الوان
المخاليق، واشكال الحياة والحيوان بما فيهم الانسان ... اذهب فورا وبالحال، وتوقف
عن الكلام ، حان وقت الجد والتنفيذ...
*****
5
هب نوح
هبوب قويا، متنشطا نشيطا، وصاح بالطبيعة صيحة الطَّوفِ والطُوفَانْ، وصوته يزأر بالأرجاء،
زئير الأسود بالغابات...فعمَّ الغيمُ عَميمْ ،
قاتما كتوما وكتيم، كل أنحاء السماء، وتساقط المطر هَطْلاً هَطُولَاً،
مدراراً يتلوه مدرار، والريحُ تعصف باستمرار، عصفا عصوفْ ، والبرقُ يلمع بانحاء
السماءِ، لمعَ البريق، يُبهرُ الابصارَ، يُعمشُ
العيون، ينشرُ الضؤ بعتمة الظلام، بكل مكان، والرعد يرعد رعيدأ ورعيد. كانفجار
يتلوه انفجار.
دبَّ
الرعب بالإنسان، دبيبا رهيبا، ترتجف الناس ارتجافاً، مما يجرى ومما يصير،
والكل يردد من غير انقطاع
...
-
عاد زمن الطوفان ... لقد عاد زمن الطوفان
-
فاستعد ايها الانسان للهلاك المبين، والموت
الزؤام...
-
لقد غضب
الكبير، غضبته الغضوب، وحان زمن العاقبة والعقاب
استمر الهطل هَطُولا يتلوه هُطُول،
والمحيطات بأمواجها تموجُ، تضرب الوجود
والعمران، امواجٌ تتلوها امواج، تزداد بالارتفاع ارتفاعا، وبالاندفاع اندفاع.
والكبير الكبير، من عليائه يراقب افعال نوح ،
مندهشا وراضى من قوة الاداء ... وهول
مايجري وما يصير وفاعلية افعال نوح التنيح.
فصاح به صياح
-
هيا يا
نوح...ماذا تنتظر... اصنع السفينة حالا وبالأوان، قبل ان يغلبك هذا الطوفان فتخسر
عندي الرهان
بلمح البصر، وباسرع من البرق ، صنع نوح سفينة
الزمن الجديد، من أصْلَبِ الحديد، وأقامها
فوق قمة جبل الشيخ ببلاد
الشام ذلك الجبل الأبيض الأشم العنيد،
حاضن دمشق عاصمة التاريخ والزمان وكل
زمان، احتضان حارس حريص. فطرد منها اسرائيل التي
احتلتها منذ زمن قريب جديد، مستغلة مجريات بدايات الطوفان، في السابع من
تشرين، بغزة العزة وغرة هذا الزمان، فطرد
المرتزقين من العسكر والضباط وضباط حلف الناتو المتصهين الذميم والعنين، والقاهم
من رأس قمته لسفوحه يتدحرجون يائسين هائمين، كما يُطْرَدُ الغزاة المجرمين، مهما
طال الزمان، وبمصير امبراطورية الرومان، ابلغ
الكلام، لما تَحِلُّ لعنةُ التاريخ، عدا قطة كانت لأحد الجنود، سمعها تموء له، وإليه تلوذ، يعضها الجوع، فأبقاها وجعلها
أوَّلَ الناجين المختارين، وأدخلها متن سفينة النجاة...
رقصت القطة لنوح تموووء وتموووء، وتهزُّ له ذيلها بفرح وسرور، فنهرها
وبها صاح اذهبي عني للعنابر، تسلل لها كثير من الفئران، اطرديهم لا تبق لهم اثرا
الا من تختارين، لقد جعلتك نوح الفئران،
فماءت موااااء جوووع فَجُوووعٍ،
وأسرعت للعنابر تهاجم الفئران
وتداهم الاوكار...
*****
6
أدرك نوح ان
مهمته اكبر من ان ينفذها وحيدا، مهما كان موهوبا وعظيما...عند الكبير العالي،
الرابضُ بالاعالي ، فقرر اختيار مساعدين مقررين ، لقيادة مسارب دخول الصالحين للسفينة
وفقا لقواعد السماء، وليس وفقا لقواعد الارض، وأحل عليهم موهبة اكتشاف الصالحين
تكفيهموا نظرة من العيون للعيون وموهبة
فهم الكلام من نبرة اللسان مهما كانت لغة الكلام ، ونال موافقة الكبير على
المساعدين المختارين باقراره، حتى لا يلام ولا يدان.
- فاختار
أحمد الدكتور الاديب
من جبال الأطلس بالمغرب العربي الحبيب ، ليقود مسرب الممحونات
من النساء الصالحات والفحول
المميزين باكبر وأجمل الازبار من الرجال الصالحين.
- واختار الاستاذ
محمود الناقد النقّاد من فراعين
مصرالتاريخ والإهرامات ليقود مسربَ النساء
الغانيات والراقصات والمتحررات والرجال
المتحررين ، والمسترجلين والمتدلعين دلع الستات من الصالحات والصالحين حتى لو كانوا ممن ببيوت العاهرات مقيمات ومقيمين.
فالكبير القدير يعرف بالخبايا والخفايا، وهواعرف العارفين ما بالنفوس من خير أوشرور، ولا يَغرنَّه او يَخدَعنَّه الفاسدون وناشروا الفتنة بين العباد
ناسين ان الفتنة اشد من القتل .
- واختار هانيس سيدة من دمشق
بلاد الشام، سورية سريانية من الاصول، لتقود
مسرب العاشقين والعاشقات، السافرات او المحجبات، فالعشق بفهمها حلال حلال ، بكل
عمر وبكل مكان وزمان، وهو سر الوجود وسر البقاء ولولاه كيف سيولد المواليد وكيف
نستعيض بدل الاموات أحياء، ليستمر وجود المخاليق
ويزيد الخلق لا ينقصون، وإلا سيبيدون ويفنون.
- واختار مودي سيدة الحكمة والحلول ،
لكل مظلومة ومظلوم، الصادقة النظيفة
المكنون، من مصر عبد الناصر القومي
العروبي، لتقود مسرب الارامل والمطلقات والمنبوذين والمنبوذات الصالحين المتمسكين
باليقين، بصدق لا يلين، حتى وان ارتكبوا بعض الذنوب من غير قصد او سوء نية ومراد.
- واختار الدكتور
الطيب الطيوب ، للطفه محبوب ومطلوب، واختيرلانه من أجمل المساعدين، وألطفهم
بحسن الإدارة والتدبير...ليقود مسرب الصغار الصغار، والصبايا والصبيان واوصاه
بهم بحزم صارم صريم، بادخال كل الواصلين
منهم لسفينة النجاة دون استثناء، ودون طرد وتهديد، فكلهم صالحون، وكلهم مختارون
للزمن الجديد، لانهم الاطهار الانقياء. وأوصاه توصية خاصة بهم أن لا يسمح لهم بمشاهدة
ما يجري بعنابر الكبار، من الحيوان
والانسان، لان الكبار مهما صلحوا، يبقى
بهم فساد، حتى لا يفسد الصغار مبكرين، قبل
ان يئين بهم الأوان ، وقال سأرفع
جدران عنبرهم لاعلى ارتفاع ، وعليك ان
تغلق بابهم باقفال الكترونية، وارم كلمة سرها
باليم العظيم خوفا من لص خبيث او هاكر يحسن التهكير، قد تسللوا للسفينة تسللا بسبب
الزحام.
- واختار ساندرلا
السيدة المصون الصامدة بثبات، بين
كل الكتاب تمنع بعناد واصرار الوقوع بحب
كاتبة الكتاب وقصص الحب والأحباب لتقود
مسرب الصالحين من المترفين المرفَّهين
والمترفات المترفِّهات والمالكين أثمن السيارات وربما طائرات، القاطنين باعلى
البنايات وناطحات السحاب سكانا كانوا او نواطير وبوابين وخادمين، فهم بالثراء سواء
بسواء وبالحب والجنس سواء، لحم
مباح ولحم مستباح، راضين او غير راضين،
ولربما مغتصبين اغتصاب، لا يستحقون العقاب.
ودعاهم
لاجتماع...
ما ان حضروا وتلاقوا
والتموا يتعارفون ويتنادمون ،حتى دب
بقلوبهم حنان المودة والفة الاصحاب ، هي
اول مرة يلتقون وجها لوجوه فانشغلوا عن
نوح بعض انشغال ، فاوشكوا نسيان نوح
والطوفان والزمن الجديد، فصاح بهم
نوح صيحة التزام، بدورهم الجديد على متن سفينة
النجاة، بزمن الطوفان الجديد، وانبهم
ان اختيارهم قد تم بارادة الكبير، القابع فوق الجميع بالاعالي، يعاقب عقابه
عند اللزوم لا يبالي ...
فعادوا مهتمين
جادين ملتزمين يحذوهم الامل بالزمن الجديد ان يسهل عليهم اللقاء
والاتصال، فينالون احلا
الاحلام والايام ولربما الليالي الملاح
بالحب المباح واللحم المستباح.
*****
7
وَ...أصبح بعد كل ليل صباح، يتلوه صباح ، وَغَيمُ
السماءِ مازال كَتِيمْ، والمطرعَميمْ،
هاطلاً هُطُولا لا يتوقفُ ولا
يلين، مدرارا يتلوه مدرار، والريح تعصف باستمرار، عصفا عصوفْ ، والبرق يلمع بانحاء
السماء لمع البريق، يُبهر الابصار، يُعمش
العيون، ينشر الضؤ بعتمة الظلام بكل مكان، والرعد يرعد رعيدأ ورعيد. انفجاراً
يتلوه انفجار.
وتراكم
الماءُ فوق أديم الأرض، ماءٌ فوقُه ماء، تَراكُمَ الغُيومِ بالسماء ، يزداد
ارتفاعا وارتفاع ، يداهم الأراضي
والبقاع، والمدن والضياع ، ويغرق
البيوت والمعابد والمعاهد والجامعات
ومراكز البحوث والملاهي والبارات والسينمات...
الناس تفر
فرارا، هائمة على وجوهها تسابق اندفاع ارتفاع الماء للاعلى، لقمم التلال وسفوح الجبال. قاصدة سفينة النجاة، فامتلأت سفوح الجبال
العاليات الشاهقات، بالعباد امتلاء اكتظاظ باعداد من الجماهير الخائفة خوفا يخيف، برث الثياب ودون غذاء
، يَعُضُّهم الجوعُ والخوفُ والآلام. عضا وعضا.
وبدأ توافد
الجموع لباب السفينة تريد الدخول للنجاة.
باشر
المساعدون تمييز الصالحين، وادخالهم وفقا
للموهبة التي حلت عليهم، معتمدين مبادئ السماء، وليس مبادئ الارض، متمسكين بتوجيه
نوح حول صرامة التمييز، وصرامة الاختيار،
دون زيغ ولا زوغان ، لكنهم الإنسان لا بد من بعض زوغان ، فمرر المساعدون الاحباب، والاخوة والأخواتْ، وبعض الاقارب والاصحابْ، خاصة العشيقات والعشاق ، لكنهم
صدقوا فلم يمرروا احدا مقابل مال ... مبررين ذلك للنبي نوح، ان الممررين اقسموا
خائفين صادقين، سيصيرون صالحين نادمين، فغض النبي نوح النظر، ما دام قد دخلوا
للعنابر، مؤملا ان يصدقوا بوعدههم فلا يفسدوا خطة الطوفان الجديد...
تزايد
تطور الطوفان...فاهتزت الارض اهتزازا، ومن اعماقها ثارت براكين وبراكين بكل فج ومكان، وزَلْزَلت الأرض زَلزَالها العظيم
القسيم، وترنحت أركانها، ومادت جبالها، جبال فوق جبال، وغارت باعماق الارض
مدن وجبال، تغور وتستمر تغور، وتنطمر
انطمارأ، كانها ما كانت ولم تكون، وتفجَّرت
الوديان بالماء انفجارا، كسد مأرب التاريخي باليمن العزيز، وقد انهار فصار الماء
يفور ويثور، و مياه الوديان تندفع اندفاع جبارعظيم، وبقوة الجريان تفوق اعظم
الانهار، لا نهرنيل مصرالعظيم يجاريها، ولا مسيسبي الامريكان يدانيها. ويستمر
انفجارالماء بالوديان ويزيد، تنشر الماء بكل مكان، والماء كالفيض يفيض، فغابت تحت
الماء ساحاتٌ ومساحات، وسهولٌ وغاباتٌ
واسعات، واختفت التلالُ وصغارالجبال ... وحدها لا زالت أعالي الجبال
برؤوسها وقممها وبعض سفوحها ظاهرة
للعيان، تكتظُّ بالعباد الهاربين، وكل اشكال الحيوان، من هول الجريان وامتدداد البحار، كانها بحر واحد يمتد مديد، لا
يعرف هذا البحرمن ذاك ولا يميز هذا المحيط
عن باقي المحيطات...
*****
8
تكررت الايام تتوالى ، والطوفان هدارٌ بالهدير،
وغابتْ شمس نهار غياباً لئيم، وعمَّ ظلامٌ مَحاقْ، لا قمراً بالسماءِ لا بدراً ولا هلال ،لا ضياءً ولا بَصيصَ نور،
بل عَتْمٌ عَتِيمٌ عَميمْ ...واذ بنوح يصيح يخاطب المساعدين المقررين بشكل خاص،
قاصدا ان تسمعه كل الجموع التي غدت محشورة بعنابر السفينة انحشار ازدحام...فقال
- انتهى
الخيار... وانتهى الاختيار، من فات قد فات ، ومن لم يفت صار فناء ليس له البقاء، لا تعترضون ، ولا
تولولون ولا تبكون ولا تنوحون، هذا ليس
قراري، بل قرار العظيم الجبار، مالكُ أرضَنا
وكل أرضٍ غيرَها، ومالكُ سمائَنا وكل سماءٍ اخرى غير سمائَنا ...
- أوقفوا
الاختيار... وأوقفوا الإدخال...
- أغلقوا الباب الكبير وكل باب صغير...
- نظموا إقامة
الناجين ، رتبوهم، وزعوهم، أجلسوهم،
واسقوهم واطعموهم ، وابلغوهم ان يستعدوا ويتجهزوا لانتاج جيل جديد، هم
معامل انتاج ، وما ان ينتهي الطوفان سينتشرون بكل اركان الارض وبانحائها ، يتوزعون
لاعادة التعمير وتجديد البنيان بقادم الزمن وقادم الأزمان. خففوا الزحمة والازدحام
قدر ما تستطيعون، سيطروا وافرضوا النظام ، وامنعوا اي شجار بين الرجال او بين
النسوان، او بين الجماعات والجموع، وكل مخالف، ارموه من متن السفينة القاء بلا تردد ولا ندم رحيم
...هذه تعليمات الكبير، الذي لا كبيرا قبله
ولا كبيرا بعده هو الاوحد الوحيد ، هو يأمر وكلنا نستجيب.
*****
9
تتالت ايامٌ
وتتالت ليال، وببهيم ليلة كالحٍ كظيم،
وبينما المختارون نائمون، غافلون، عما يصير حولهم وعما يدور، ارتجفت السفينة بعض
ارتجاف ، واهتزت اهتزاز، فهب الجميع من نومهم مرهوبون، ومالت السفينة يمينا ميلا
قليلا فصاحوا برعب عميم
- ارحمنا يا كبيرا يا كريم
ومالت
السفينة يسارا، فتماسك الناجون ببعضهم تماسك رجاءٍ وخوفٍ وحبُ بقاءْ ،
وسُمع بعض عويلٍ وبعض بكاء، هنا وهناك ، باكثر الارجاء، واذ بالسفينة تتحرك كانها
طوفا يطوف ، تشجع بعض الرجال، وتراكضوا نحو الحواف والأطراف يتأكدون، يحاولون فهم
ما يصير رغم عتمة الظلام، ولما عادوا اخبروا بانفعال واندهاش
- السفينة
عامت وبدأت تسير...؟؟!!
توقف ارتجاف
السفينة وصار توازن واتزان،
وصار استقرار...
تصايح صائحون
- اكتمل الطوفان وبدات رحلة الانتقال من الزمن
القديم للزمن الجديد على متن سفينة النجاة
برحلة التجديد...
تراكض الجميع
للأطراف والحواف يراقبون وبالظلام لا يرون ينتظرون بزوغ
الصباح وضوء النهار .
مع انتشار ضوء النهار، بدا للناظرين الماءُ
كمحيط عظيم حول السفينة من كل جهة واتجاه،
ولا يُرى فوق سطح اليمِّ الا رؤوس اناس
تصارع للبقاء، وأيادى مرفوعة فوق وجه
الماء، تلوح بإشارات وتشير، علها اشارات استنجاد واسترحام، ولعلها اشارات الوداع الأخير، باستسلام حزين،
وشيئا فشيئا غابت الرؤوس، وبقيت بعض اصابع مرفوعة للسماء ، علها اشارة التوحيد للواحد
الاحد الوحيد الذي لا كبيرا قبله ولا كبيرا بعده ، وحده البقاء ووحده الازل والخلود ، وكل ما عداه فانون...
فانون .
وَ...سارت
سفينة التجديد، تمخر عُبابَ الماء بطاقة الغشيم
، لا صوت هدير محركات، ولا رائحة وقود، لا بترول لا بنزين لا مازوت لا كيروسين ولا
حتى غاز، تسير وكأنها لا تسير ، فلا يُرى منها الا ماءٌ محيط، واسعٌ ممسوحٌ فسيحْ،
على مد النظر كيف العيونُ تَطوفْ ، لذلك لا يُدْرَكُ المسير، لان المنظر لا يتغير،
فلا اشياء ترى أو تتبدل باشياء غيرها تبديل.
ساد العنابرَسكونٌ ، وعمَّ بالنفوس هدوءٌ ، وسيطرعلى الجموعِ أمنٌ وأمان وإحساسُ اطمئنان، بل سُمعت بعضُ ضحكات، تحولت لقهقهات، وشوهد بعض
الركاب لاهين مع بعضهم ، وبعضهن مع بعضهن
لاهيات ، وبعضٌ لاهين يلهون مع لاهيات ...
*****
10
بهذا الجو الذي غدا مريحا الى حد ما،
تذكرت المساعدة هانيس أن بجزدانها ذلك
الموبايل الذي كانت تتواصل عبره مع أحمد الاديب ومع محمود النقاد، وترسل لهما قصصها وبعض
مقطوعاتها الادبية لتحليلها ونقدها، واعادتها مشفوعة براييهما، ذلك كان قبل حدوث الطوفان، اصابها حنانُ شوقٍ واشتياق،
وقالت لنفسها، لعلَّ الموبايل يعمل، رغم صعوبة هذا الاحتمال، بواقع هذا الحال، ومع
ذلك قررت التجريب، فان نجحت وتواصلت مع أحمد
البعيد بالمكان، ومحمود الاقرب بالزمان يكون
الامر عال العال، والا فالحال على
حاله لا جديد.
اخرجت
الموبايل من جزدان يدها ، جزدان النسوان ، وفتحته واذ بالموبايل يضيء، وتتفعل
الأيقونات الوتس والمسنجر وجوجل والفيسبوك
وياهوووووو. أصابها فرح الحنين، بقوة
الشوق والحنان، فأرسلت رسالة محبة وترحيب، للصديقين الصدوقين أحمدا ومحمود،
وتسألهما فيهاعن الحال والأحوال
بعنبريهما. دون ثقة من أنها ستتلقي جوابا، لأنها
لا تعرف ان كانا قد أحضرا الموبايل معهما، حتى هي قد نسيته بجزدانها نسيانا، والا لكان مغمورا باحد الوديان، غارقا
بالأطيان، او مكسرا لا يفيد.
واعادت
الموبايل حزينة ، من قوة الشك والإرتياب، وملهوفة بأمل ضئيل، أن يصل جواب بأسرع
وقت، وعادت تراقب عنبرها وتدير به الأحوال
...
انتبهت لسيدة سريانية بين الجموع تتغازل مع ذكر لصيق بها، من كثرة الزحام،
يتباسمان، ويتهامسان، وبحجة الزحام يتلامسان، بل يتحاضنان.
وانتبهت ان
جموع عنبرها كلهمووا يتغازلوووون بل بعضهم
صارواعراة، ذكورا وإناثا، وشهوة الحب
والجنس كالنار تدب في عُشُبٍ هَشيم
...يتناكحون... بل أكثرهم يتناكحون...!!
- ما هذا
الذي يجري ويصير ...
- لعل
الكبير يغضب غضبا غضوبا،
فيُغرق السفينة بالطوفان المحيط،
لأعمق قرار...عميق
فصاحت بجموع
عنبرها
- ماذا
تفعلون ...؟؟
- الا ترعوون
وتخشعون وتختشون...؟؟
واذ بامراة
من النسوان ترد وتصيح
- يا
هانيس الأمر ليس بأيدينا ، الشوق للحب يدب
بقلوبنا دبيب، وتشتعل أجسادنا بنار الشهوة لهيب، الامر غريب ، ماذا نفعل بانفسنا...؟؟
...الامر جديد... لم نكن هكذا قبل هذا الطوفان...
أجابت
هانيس محاولة إظهار الهدوء ، والسيطرة
على الموضوع فقالت ..
- ايها الناجون ، اخترتكم وادخلتكم عنبري على انكم
صالحين
- ما هذا الذي تفعلون ...؟
- اصبروا وتماسكوا... كما أصبر انا واتماسك ، حتى
أسأل نوحا واستفهم منه عن هذا الحال ..
واذ بصوت امراة تصيح بوجه ذكر منها قريب،
- أبعد يديك
عن ردفيَّ أيها الممحون...ألم تسمع المساعدة هانيس ماذا تقول ...؟؟
وعادت الأولى
تصيح
- أسرعِي يا هانيس واسألِي نوحا واستشيريه .
لنفهم ونستطيع اتخاذ قرار الحب او الحرمان...!!
واذ جزدان
هانيس يهتز اهتزازْ، أجفلت هانيس، وظنت أن
بالسفينة ارتجاجْ، ثم انتبهت ان موبايلها
بوضع الصامت الصموت فيهتز للتنبيه بدلاً من الرنين، فصاحت لنفسها
- انه
الموبايل... انه الموبايل ...لدي رسالة ما،
ربما من أحمد الاديب وربما من محمود فرعون المتفرعنين، وأسرعت ملهوفة لتخرج الموبايل من الجزدان، وللهفتها
وسرعتها وعجلتها، سقط الموبايل من
يدها بأرض العنبر بين اقدام الجموع لا تراه، فانقضت هانيس
وراءه لتُنقذه، قبل أن تدوسه الاقدام فتنكسر شاشته ويتعطل، فتفقد الاتصال، واندست بارض العنبر بين
الجموع تبحث عنه اندساس، بين اقدام تتداخل
مع اقدام، اقدام رجال واقدام نسوان، وتمتد بيديها
تبحث عن الموبايل، ويداها تلوب
بحركة بحث دؤوب، فتلامس حينا فروج
نسوان، وأشفار أكساس تنز ماء شهوتها نزا،
وتارة تلتقط أزبارا منصوبة، كسيوف ورماح،
جاهزة للولوج والالتحام، الى ان
نجحت والتقطت الموبايل، فأسرعت به لموقعها، وفتحت العنوان، واذ هما رسالتان، واحدة من احمد المغربي الامازيغي والثانية من
الفرعون محمود ابن مصر الصنديد
احمد برسالته
يقول
- الأمرعندي
خطير ومرير، الكل يتناكحون، لا يسمعون نصحي ولا يردون ولا يلتزمون، كلهم بالنكاح
مشغولون، يركبون ويركبون لا يبالون، لقد أفلت الزمامُ من يدي وأفلت اللجامْ وأنا
حائرٌ كيف أعيد تنظيم الحال والنظام ...
ومحمود
برسالته يقول
- السلام
هانيس الجميلة بأحلى كلام ، إلا أنَّ
الحالُ عندي، على أعجب حال، الكل عندي صاروا عراة ، لا رادع يردعهم، ولا يتوقفون
عن النيك والنكاح، ويتفننون بالاوضاع، بل ويتشاركون، صرت محتارا، كيف سأقود هذه الجموع، فَفعَّلتُ موهبة النقد
والتحليل أبحث بأمر ما يجري وما يصير، لعلِّي
أدرك الاسرار. وسأعلمك يا حبيبتي هانيس
وأعلم الاستاذ احمد عن نتائج
دراستي ..برسالة على البريد الالكتروني
...بذات العناوين القديمة ..لا تغيير رغم بأس هذا الطوفان. راجيا استمرار
الاتصال...
*****
11
واذ النبي نوح
يصرخ ويصيح ...
- ما هذا
الفجور ايها المساعدون ...؟
فهمت هانيس... واعتقدت... وظنت... انه يقصد فجور
التناكح الجاري بالعنابر، وإذ المسألة
بعقله مختلفة ، يسألها بغضب باين مبين
- أتتكلمون بالموبايلات وهي أهم مفاسد الزمن
القديم ...؟؟
- سأدمرها لكم تدميرا، وسأسحبها من جيوب الذكور
وجزادين النسوان، وألقيها باليم العظيم
لتغرق وتغور، ويغور معها ذلك الزمن القديم ...
تفاجأت هانيس
فتابعت تسأل نوحا باهتمام...
- إذا كيف
سنتواصل مع البعيدين ... من غير هواتف او
....؟!!
وقبل ان تكمل
السؤال اذ نوح يجيب
- لا تكملي... أفهم وأدرك ماذا بعقلك يدور، واي سؤال ستسألين ، لان عقلي يقرأ عقلك فأعرف بما تفكرين ...
- هذا هو الأسلوب
الجديد للتفاهم والتواصل بالزمن الجديد، هو قرار الكبير العظيم، لا حاجة بالزمن
الجديد للتواصل الهاتفي وخطوطه والكابلات،
ولا للاهاتفي والنداءات، ولا لمقاسم التوصيل والتبديل بين المتخاطبين والمتكلمين،
ولا للموبايلات والنت وما يسمى بالشبكات، يكفي بالفكر استحضارالمخاطب فردا كان او
جماعات ليُدْرَكُ ويُفْهَمُ ما سيقال بل وما هو مكتوب بالورق، يكفي أن يقراه المرسل بالعيون او كما بالعقل يدور،
فيدركه العقل الآخر دون حاجة لوسائط ارسال، وان صدف وقيل ما يراد باللسان على شكل
كلام، بسرعة البرق يطير من اللسان لعقل
ذلك الشخص المقصود دون غيره مهما كان بعيدا... ويبقى الكلام المتبادل وسيلة
التواصل مع القريب، هذا هو القرار الجديد،
قرار التواصل مع البعيد من الكبير، هوالعالم العليم، سيد كل عِلمٍ وعَالِمٍ
ومَعْلُومْ، لا يفوق عِلمَهُ عِلْمٌ ولا فكرَه أيُّ تفكير، هو اليقين كامل
التيقين، ونحن باليقين ملتزمون وموقنون، لا ينتاب يقيننا اي شك واي تشكيك...
وتابعت هانيس
تسأل نوحا وتقول
- وماذاعما يصير بالعنابر... الا ترى يا نوح
العري والعراة، والتناكح رغم الطوفان وهذا
الزحام
فقال نوح ...وهو يتضاحك
- إنه الأمر
الطبيعي. ...والا كيف يا هانيس ستتفعل الأرحام لإنتاج
اجيالٍ جديدة للزمن الجديد ...على كل اطمئني...الأمر قرار من الكبير العالي،
الرابض بالاعالي، مسرورا، يراقب الخلق وهم
يتخالقون ليخلقون جيلا وأجيالا كما قرر واراد، ولتتوالى أجيال
وأجيال فيعُمُّ العمران ويكتمل البنيان...ويتجدد الزمان .
*****
12
تعالى
بالسفينة تصفيق ...وتصفيق... وصياح فرح
وهتاف، من الذكور والاناث، وتدافعت الجموع
للاحتضان، وتشجع المترددون فعم
الحب بين الناجين حب قلوب وحب أجسام...
بكل جرأة وانفعال ، بل بكل فجور، فتعرى من ما زال بالثياب هياب، وتسمع الضحكات و
أصوات الأنين والشهقات.
أدركت هانيس
ان نوحا كان يكلمها بفكره وبذات الوقت بالفكر يكلم الجميع ، يسمعون ذات الكلام.
ففكرت بسؤال جديد لنوح..
- اذا كيف سَتُضْبَطُ
هذه الشهوات ...؟؟
أجاب نوح
بفكره حيث هو موجود، مكانه غير معلوم لهانيس
باي ركن من السفينة هو موجود ومركون، يشرح
الامر بتفصيل واهتمام فقال...
- رتب الكبير
لشهوة الانسان حالتين، واحدة مفتوحة بالزمان والمكان، للمتعة وفرح الانسان وتعميق
الحب والحنان ولسعادة الايام، وشهوة ثانية للانجاب والتوليد بغريزة البقاء، وهذه
محدودة بالزمان بعدة ايام شهرية هي ايام الخصب والاخصاب.
فتكرر
التصفيق والهتاف واشتد اشتدادَ هيجان، وقد
تفجَّرت بالجموع الشهوة بالحالتين، يتشهونون من غير قيد ولا حدود.
واذ يصل لعقل
هانيس، فكر محمود مودي يقول
- أسمعت يا هانيس الحلوة هذا أفضل مما كان...ليتك
يا هانيس بعنبري...!!
- ما رأيك لو تأتيني، بنفسي يتصاعد لك وبك
هيام...!!
واذ احمد
بالفكر يقول لمحمود،
- تطمن ولا تتحنن ولا تتمنن، هانيس لم تتغير، ولن
تتغير، ستبقى بعقلية الزمن القديم، رغم ان الحال صار قرارا من الكبير.
فيرد محمود
- أنت غيور
وتغار...لذلك تقول هذا الكلام
قررت هانيس الهروبَ من هذا الغزل الجرئ، رغم مشاعر
الحب والحنين والتحنان، تتفعل وتتفاعل بنفسها وجسدها، وقررت ان تغير الموضوع ...
ففكرت باحمد تساله ان كانت زوجته من الناجين
- فاجاب
بالفكر أنها موجودة بعنبره وقد مررها للسفينة كناجية تمرير، لكنها بين
الجموع لا تكف عن مغازلة الحلوين...على افضل تقدير.
فتوجهت بالفكر تسال محمود ان كان قد مرر زوجته ايضا تمرير، فتردد
بفكرها جواب محمود يقول
- هي فعلا من
الناجين، لم أمررها تمريرا، لكنها بالعنبرغارت من
نظراتي لا تكف تلاحق النسوان
وتطارد أردافهن والسيقان، فتركتني من شدة غيرتها، غاضبة، تعاقبني وتثأر مني بمطاردة غيري من الرجال ،
وتتحداني بتفكيرها قائلة هذا هو العدل الجديد بالزمن الجديد.
هكذا
صار، وهكذا سار الحال ، الحب والتعاشق
بالعنابر عنوان، ورقصُ الغواني فرحٌ وجمال وسفينة نوح الجديدة، تَغُذُّ المسير، و تَغُذُّ الإبحار، ما بين محيطي الازمان، تعبر بالناجين من الزمن القديم،
للزمن الجديد. وفق ارادة الكبير الكبير الذي لا قبله كبير ولا بعده كبير.
*****
13
أصبح
بالإمكان، اعتبار الحال بعنابرالسفينة، قد
استقر بافضل حال. وغدا المختارون، ومن
مررهم المقررون، راضين عن وضعهم لانهم نالوا حظوة الاختيار، وقد هدأ غضب الطوفان، واستقر بالطبيعة الحال ، فسكن ماءُ المحيط واستقر استقرار، وتوقف
الموج حتى الخفيف ، والريح هبت بنسمة اللطيف، والسفينة تجوب المحيط باستمرار، بلا قرار، لا يعرف أحد اين المكان...؟؟ ربما نوح يعرف، والعارف وحده
ذلك الجبار، لا خوف بالنفوس ولاريبة الظن والشكوك، واستقر كلٌّ راكب بموقعه
المختار، وتآلفت النفوس مع النفوس ، نفس هذا مع نفس تلك، وجسم تلك مع جسم هذا، بل
ربما تلك مع تلك ، ودب الحب حنانا وانفعالا واشجان غرام وشهوات.
تذكرت هانيس عنبر
الصغار والدكتور الطيب الطيوب ودب بقلبها حب الاطلاع والشوق للقاء، فقررت زيارة العنبر ومعرفة مصير الصغار الأبرياء...فاستدعت
بفكرها الدكتور واذ به غارق لأذنيه مع ساندرلا
خلف زاوية من زوايا الأحلام ، كانهما عصفوران بجنة الرحمن يزقزقان ويتزقزقان، ولم تجد بعنبره لا اطفالا ولا صغارأ ، فصاحت تسأله
- أين هم
الأطفال والصغار...؟؟!!
فاجابها قاطعا
قبلة استلطاف من وجنة ساندرلا فقال
- فجأة كبر
الاطفال كما ترين...!! ولم تعد تنفعهم الثياب ... فصاروا عراة... فانتهت مهمتي عنهم
كأطفال .
- شبوا شبوب
فتوة وفتيان، وعذارى عراة وعريان، وعري جمال يزين المكان، سُمْرٌ وبيضُ فتنة
وافتتان، سُودٌ غامقون، وسود فاحمون باجمل الالوان ... يلعبون، يتراكضون، ويتضاحكون، يتوشوشون همسات، يتلامسون لمسات ويتعانقون، ببساطة الروح، وسذاجة الأغرار.
- دب بعنبري
أجمل جمال، فأتتني ساندرلا عاشقة شبوبية
الشباب وحلاوات الصبايا، معجبة بهذا الجمال الريان، يملؤ المكان، بعافية الأجسام،
والعشق بينهموا عبقُ ريحانٍ يفوحُ بالعنبر بأعتق عطر أدركه انسان ...
- انظري يا صديقتي
لهذا الجمال، ومتعي ناظريك بتكوينة الأجسام ، ممشوقة ملفوفة ممتلئة بادفأ النهود، وافتن الارداف، والشَّعر
يتدلي يغازل الاكتاف، والخواصر تتلوى كأغصان، والفروج عامرة للفروج، شباب وصبايا
باكمل عنفوان، يزينون المكان بزينة الحب
الصادق، والعشق الصافي البرئ.
- انتهت
مهمتي عنهم كاطفال ، اليوم صاروا شبابا وصبايا، وغدا سيصيرون نسوة أمهات ورجالا أبوات، ينتجون اجيالا جديدة، لتتلوها
أجيال...
*****
14
عادت هانيس
من عنبر الدكتور الطيب متأثرة ،
باعجوبة الخالق وقوة فعله بخلقه من الأطفال ، وكيف انهم شبوا بلمح البصر، شباب
فتوة وافتتان، لما قرر ولما أراد، فصارعمرهم وتكوينهم وجمالهم
بارادته مجرد قرار...الكبير الكبير هو العجيب وهو العَجائب العُجاب، ونحن
الصغار الصغار، ليس لنا الا ان نجيبه
ونستجيب... ومن شدة عجبها وإعجابها، وقوة انفعالها وتاثرها فكرت بأحمد الاديب ومحمود الصدوق ومودي مغيثة من يستغيث ، لتخبرهم بفكرها
ما رات بعنبر الصغار من عجب واعاجيب ليشاركوها
الرؤية، وقوة اليقين بقدرة الموقون وقوة الجمال المرسوم باجمل التكاوين، لم تستطع ان ترى ولا
يرون ما رات، ولا ان تتمتع بفحولة الشباب وانوثة الصبايا ولا يتمتعون مثلها، هي
طاقة الزمن الجديد بالفكر نتواصل ونتبادل
الكلام والرؤية والانفعال .ولربما العشق والتعاشق.
وما كاد
يراودها ذلك الفكر والتفكير، واذ تسمع صوت
احمد يتردد ترديد .
- هانيس
...أيا هانيسسسس...يا حلوة الحس والاحاسيسسسسس، جمال الشباب للشباب، ولنا نحن جمال
الشياب ... عمرنا قد سار ويسير كسير سفينة التجديد، سنغادر زمنا لزمن جديد، انت
الجمال والحسن وانت الدلال ، لا يفك ازمتي
الا حلم أحلام ، بالحلال الحلال... مهما بَعُدَ
او تباعد المكان ، هو العلي العالي قرر للخلق هذا المآل .
وصوت محمود
لكن ليس لها بل يخاطب مودي كأجرأ خطيب ،بأرقِّ خطاب
- مودي
الحنان، بروحك قوة الحنين، أود قربك لو
على حناني تحنين، أنت الجمال ، وأنت أكمل
الصالحين، من نَهديِّ صدرك الحُبَّ والحياةَ
تُرضعين ، وبين تلال ردفيك العشقَ تُشعلين، كيف تتدللين وكيف تتدلعين، الكبير الكبير سوَّاك
للهوى لحنَ غرامٍ يلينُ ولا يستكين ، فكيف
لا نَعْبُدُ اليقن...
وإذ يصلني صوت مودي تصلي صلاتها ، ربما تأثرت بغزلية
محمود ، فانفعل انفعالها، وتهيجت أركانها ، واشتعلت اوكارها ...ترنم وتردد وتقول
...
- أليك ألوذُ،
وبأحلى الكلام أذوب ، يا أعذب العذاب ، وأجمل الغُيَّاب ، حراما كنت او كنت حلالَ
الحلال، إليك أتوبُ توبتي ، وأَرفعُ حنانَ رقَّتي وفرحتي ولهفتي ، أنا الضعيفة أمام
قوة الانجذاب . لجاذب يحسن الجذب حبا وشهوة اقتراب... فكيف لا أجيبه بأحسن الجواب...؟؟!!
إليه أتوق وله أُجيب وأَستجيب ...آمييييين
وسمعت هانيسُ
بفكرها من فكر مودي صوت أنين....وآآآآآآه ....وصوت تأوهات... ربما داهمتها لمودي متعة الشهوات.
*****
15
وَ...تتالت
الأيام بأيام ...وتتالت الليالي بليال... تُشرق
الشمس ويتلوها كل صبح شُروق ، ويطل
القمر ليلا تتلوه أقمار، شهر وشهران وثلاثة شهور...وامتلأت بطون النسوان ، وانتفخت
انتفاخ نكاح... بأجنة بالارحام تفور...صار
واضحا أننا نستعد لخلق جديد، هذا ماقاله
نوح يفسر هجمة الحب بالعنابر، وكيف شهوة
الجنس دبت بالأجساد دبيب... فتعرى الجميع عري الشهوات، لا هم لهم الا النكح والنكاح والتناكح.
ادرك الجميع ان كل ما جرى، وكل ما صار كان
بإرادة القهار، قاهر الزمان وكل الازمان، هو الذي أراد وهو الذي عبث بشهوات العباد،
ففجر العشق هيجانا بالفروج تهيج، ازبارا تنتصب انتصابا
باحلا انتصاب، واكساسا تنز وتموج موج رغبة
واجتذاب، لا يريحها الا الولوج بالولوج لتبادل النكاح وزرع بذرة جيل جديد للزمن الجديد
.
دب بالعنابر
نشاط، الكل يهتم براحة النسوان حوامل المواليد،
لضمان اسلم انجاب ، فتبرع الرجال بافضل الأماكن
والزوايا، بسفينة الإبحار للاحبة النسوان، دون تحديد ودون اختيار، الكل للكل دون
استثناء، هذا يهتم بواحدة وذاك يهتم باربعات، ويرددون
- استريحي واستريحوا ، ونحن نُحضِّر لَكُنَّ كل
مطلوب، ومطلوب، ماء وطعاما واي مشروب. وان هبت واحدة منهن تسير، اسرع يرافقها اكثر
من ذكر حنون، واحد يحن من اليمين ، وثان يحن من اليسار ، وثالت من امام يمهد
الطريق ويبعد الحشود وثالث يلاطف الارداف
ويمنع العابثين عبثا سواء مقصودا او غير مقصود ...
جميل تعدد
الحب وجميل تكاثر الاحباب، وغيرة النساء من النساء ، واحدة يدللها جمع رجال،
وواحدة بالكاد يهتم بها ذكر وحيد ...وهذه تعاير تلك وتلك من قهرها تبكي بكاء...هو الانسان مهما تغير الزمن وتبدلت أجيال ...
*****
16
لا بد من
اكتمال زمن التكوين ، بمعامل الارحام ،
وخروج الأجنة من الظلمة والظلام، لنور الحياة وضؤ النهار... ومع اكتمال الحساب
، بعدد الأيام وتعداد الشهور وانتهاء دورة
الإنتاج، دبت الآلام ، تضرب ارحام النسوان ، وتعالى الصياح ...كل النساء حوامل ، يصيحون من آلام الطلق والاطلاق ،
والرجال قلقون
- ماذا
يفعلون...؟؟
- وكيف يساعدون...؟؟
هم فرحون... لكنهم محتارون وجاهلون ماذا يجب ان
يفعلوا...
وصاح صائحون
- الا يوجد
أطباء يفهمون
فردد اخرون
- كيف نوزع عددا محدودا من الأطباء على هذا الحشد
من النساء ... لكن... لا بد من طلقة الإطلاق... الطبيعة تتكفل بما يجب ان يكون و يصير، وتتكفل باطلاق
المواليد من عتمة الارحام، فقط لنساعد
النسوان، ونشجعهن، ونرفع من معنوياتهن، ونفعل ما نستطيع.
وصاح رجل يريد مقصا لقطع حبل الوليد السري ،
واخر يساعد وليدا بالخروج ، وواحد يراقب
اقتراب رأس وليد ، ليكتمل التوليد ...
وخرج وليد
وتلاه وليد وتكاثر المواليد، وواحد للأسف مات، فحمله رجال قساة، والقوه باليم
العظيم، وأمه تبكي وتنوح، وتنعاه نعيا حزين.
ليته كان عصفورا يطير للاعالي
يقترب من عرش الكبير اقتراب
ولربما يصل اليه من غير عذاب
خيرا من ان يرمي ببحرالماء
يغرق فيه يستقر باعماق المحيط
يندفن بالطين تحت الأديم جنين
فيأتيها العزاء
، من معزى حكيم ذي يقين،
كله سواء
أطيرً كان أو دفين
فالطير أيضا يموت
وكل ميت بالطين دفين
لينمو من جديد
زرعأ جديدا
اشجارا او زهورا او غذاء
هكذا ترتَّبَ الكونُ
وهكذا رتب الكبيرُ الحياة
الذي لا يُعرف مبتداه
ولا يُعرف منتهاه
وكلنا لإرادته خاضعون
ما يريد بنا يصير
لا مفر لنا من المصير
هذه حكمته لانه الحكيم.
وَ...ضجت
العنابر بصيحة الحياة، من افواه المواليد .... وبفرحة الأمهات بالضحكات، وفرحة الابوات بالتصفيق . وهنا بالتحديد ظهرت وبدأت المشكلات...
الامهات
معروفات ...لكن كيف نعرف الأبوات...؟؟!!
*****
17
صار ضجيج،
ودب خلاف ودب شجار بل صار عراك وتضارب واقتتال بين الرجال، كيف نميز الأبوات بزحمة النكحات وهجمة
الشهوات من عاشر هذه ومن عاشر تلك، ولعل ذكرا عاشر اكثر من أنثى ، وأنثى عاشرها أكثر
من ذكر ولهان بحبها...تحرضه الاشواق .
والمشكلة أخطر
وأصعب من أن تترك لمزاج الرجال واختياراتهم، فيتخاصمون ويتعاركون او حتى يتقاتلون
على النسوان...وليس على الاطفال
فواحد يتمسك
بامراة واحدة، وواحد يتمسك بأربعة نسوان...
وتَنوَّعَ
الرجالُ ، بعضهم مهتمون بدورهم كأبوات، ويتصارعون على الأمهات. وبعضهم قنوعون يقولون للاخرين
- انهوا خلافاتكم
ونحن راضون بما تتركون لنا من النسوان
وبعضهم غير
مكترثين بدورهم كأبوات بل يسخرون من تصارع الابوات ويصيحون
- أنهوا
خلافاتكم لا شان لنا بكم ... الا ترون
اننا كلنا عراة... انظروا ... لقد عادت تدب بنا الشهوات.
تمسك رجل
عنيد بامراة ، يحتضنها من وسطها حَضْنَاً شديدا، ولا يتركها، تلتف يداه حول
خاصريها لف حبل غليظ، او لف جنزير من حديد، ينافسه عليها عدة رجال، وهي
محشورة لصدره كانها أسيرة او جارية من زمن الرقيق.
استدعت
هانيس النبي نوح فهو الوحيد القادر على حل
هذه المشكلات ...
حضر نوح
ويقول
- أيها الناس والعباد نساء وذكور، أمهات وابوات،
الحقيقة أنا محتار
- كيف سنعرف
الابوات...؟؟ مع كثرة النكحات ، لاننا لا نعرف حقيقة ما جرى بالارحام ،
وماء أي رجل لقح بويضة أم هذا
الوليد... او بويضة ذاك الوليد، وليس لدي حلُّ أكيد ، ولعل الأفضل أن نسال المرأة ذاتها فهي الأقدر على
التحديد ...
وابتدأ
استجواب المراة وهي ما تزال مأسورة بأحضان ذلك الرجل العنيد... لا يفك اسرها...
قال نوح
احلفي يمين الصدق ان تقولي الحقيقة كاملة دون زيادة ولا نقصان...
فاجابت
المراة تقول
- اقسم
بالكبير الكبير، العالم بالاسرار وبكل سر مكنون، ان أقول كل ما جري دون تغيير مهما كان قاسٍ وخطير...
وتابعت
- نعم أمسكني هذا البعلُ القوي،
وشدني لصدره كما ترون ، كما يُشَدُّ
الأسير، بقوة زنده، وبأس ولعه، ولم يكن بيدي قدرة على الإفلات من بين يديه، لضعفي أمام
قوته، ولكثرة الزحام فلم تتوفر لي فسحة
للفرار...
وتكاثرت
الأزبار من حولي، فلم يتوفر لي وقت للتفكروالتدبير، بل أراحني الوضع مسنودة على
صدره وينكحنى الناكحون، لذلك أقرر تقريرا أكيدا، ان هذا البعل ليس أبا لوليدي، لانه كان مشغولا بإمساكي، كي لا يأخذني منه ناكح ممحون، فلم يكن أول الناكحين لي بل آخرهم....بناء على
هذا الاعتبار والتقدير، أشهد شهادتي على نفسي وعليه، والكبير المقيم بالأعالي شاهد على صدقي ...
قال نوح تم
حلُّ نصف المشكلة فقط...
- أيها الرجل
العنيد، أترك هذه الامراة فلست أبا
لوليدها بالتأكيد، ودعها من أسرك تستريح،
وبالعنبرعلى مزاجها تسيح .
وإذ
بالمراة تتابع وتقول
- أيها النبي
نوح... لي طلب جديد وصريح، لو سمحت تسمعه فيكتمل صدقي أمام الكبير، وأمامك وأمام كل هذه
الجموع...وافق نوح على عرض طلبها فقالت...
- أيها
النبي نوح... بينما كان هذا الرجل يحتضنني ويشدني اليه شدَّا ، والأزبار
تنكحني بالشهوات نكحا، كانت نفسي تتوق
لذكرأسمرجميل، وأوكارأنوثتي تهفو
اليه، أريده أبا لوليدي لو أنت توافق ويرضى
هو بي، ولوليدي يوافق ...
وافق
نوح للمرأة ان تختار، ولا تحتار، ما دام صعب تحديدُ
أبٍ لوليدها... شرط ان يرضى ويوافق فقال للمراة اختاري، ودلينا عليه نعرفه، ويعرف نفسه.
قالت
- هو
ذاك الأسمرالجميل، الذي يَخُطُّ الشيبُ منه القُذالْ، الواقفُ تحت موقفك من
اليمين.
فاشرأبت الاعناق، لترى ذلك المحظوظ المختار، وافق الرجل وهو يبتسم للمراة أحلا
ابتسام... وافسحت الجموعُ له الطريق،
ليقترب اليها ويأخذها بين يديه ويحتضنها احتضان محبة وحنان، ويطمئنها انه سيرعى وليدها، كائنا اباه أيا كان...
وتكاثر
التصفيق من النسوان، وهن يصحن لنوح صياح،
ونحن أيضا أعطنا حرية اختيار الاب لمواليدنا، فوافق نوح دون تردد او انتظار ...
فقال الاب المعروف، معروفٌ لا خيارلكن ، واما ان لم يكن معروفاً
فلكن حق الاختيار ...
وتابع نوح
يقول بلغني الان قرار جديد من الكبير العالي، المقيم بالاعالي، مقرر الحياة، وكل
حياة، تغير قانون الترابط والارتباط وتعدلت عقود النكح والنكاح ستصبح المراة طالبة مثل الرجل، بعد ان كانت فقط مطلوبة، يحق
لها بالزمن الجديد طلب الارتباط والنكاح، من الرجل الذي تحبه وتهواه، وتختاره اختيارا حرا من بين كل الرجال، شرط ان يقبل
ويوافق .
تصاعد
التصفيقُ وهتاف النسوان، وهن يرددن انتهى زمن
الظلم والظلام، وصرنا بزمن العدل
وتساوي الانسان ذكرا كان او انثى
سواء بسواء.
نتيجة لذلك القرار الجديد كثرتدلل النساء على
الرجال. وطرحن شروطا وشروط ويتم تبادل الشروط بين الرجال وبين النسوان،
وبدا الكل راضين بهذا القرار وبه فرحون.
*****
18
تشجعت هانيس،
لان بعقلها فكرة الأفكار، فسألت نوحا تقول
- أياااا أيها النبي نوح ، وانت نوح الزمن الذي مضى، ونوح
الزمن الآتي، انت نوح لكل الازمان، سأنوب عن كل النسوان الصالحات المختارات، اطلب طلباً يكتمل به العدل والمساواة على قاعدة مثنى وثلاث ورباع الممنوحة للذكور فتُمنح النساء ذات الحق بالاختيار وبالارتباط. أو تلغى القاعدة الغاء
ولا يبق لها أي اعتبار.
رد نوح وقال
هذا طلب خطير ، يمس إرادة الكبير ، وكيف يريد للحياة ان تسير، أعدكم وعدا أكيدا ان
أرفع السؤال للكبير العالي، المقيم
بالاعالي الذي لا احد قبله يقرر ولا احد بعده يملك التقرير...
وعادت النساء
تصفق راضيات لكن ليس ذات التصفيق ، يبدوا ان عندهن شك وارتياب ان ينال طلبهن موافقة الكبير،
او ان بعضهن غير متحمسات...ومترددات..
وإذ نوح يعلن
ويقول أتاني الآن من الكبير الكبير، حل
جديد لمشكلة التعرف على الأبوات ، لم يعد
مطلوبا نسبة الاولاد للأبوات بل ينسب كل
المواليد لأمهاتهم ، لان الأم معروفة بشكل ثابت واكيد، لكن يصعب تحديد الأبوات،
حتى ممن هنَّ متزوجات عقد زواج ونكاح ، فكثيرا ما غافلت الزوجات أزواجهن وعاشرن آخرين.
وساد الرجال
صمت المهزوم، وتباسمت النسوان تباسم انتصار، بل قهقهت احداهن تقول
- انتهى عهد تخوين النساء وظلمهن بدعاوى الخيانات، فتدان النساء مظلومات، ويتم تبرئة الرجال، مع
انهم المدانون فعلا، الذكر شكاك لا يثق بنفسه ، او ضعيف واهن سخيف تعافه
امراته لغيره دون أن تخاف، أو انها اغتصبت
اغتصابا من مجرم حقير.
وفي كافة الأحوال فجرائم الخيانة
بها طرفان امراة وذكر او جمع من الذكور. ويجب ان يدان الطرفان باضعف درجات
العدل ليكون مقبولا،لا ان تدان النساء
وحدهن ويبرأ الذكور.
تابع الرجال على صمتهم، مستسلمون، يدركون أنهم فقدوا أهم قوة سيطرة وحساب. وتصاعدت ابتسامات
النساء وتحولت بالتسلسل لضحكات ثم لقهقات
ثم لصياح وصيحات وهن يهتفن هتافات زال زمن
الظلم والظلامات، وصرنا بزمن العدل
والمساواة...!!
*****
19
بعد كل ما
جرى وصار، نتيجة
تصارع الأبوات، وتعقد تدقيق نسبة
الأولاد لهذا الأب او لذاك ، وتعديل قواعد الربط والارتباط ونسبة الأولاد التي كانت سائدة
بالزمن القديم، لقواعد جديدة بالزمن
الجديد، اعتبرت أنها أنسب للنسوان من ناحية
العدل والمساواة ، ومسار العدالة
بمحاكم القضاة وواستقرارالأمن والأمان ..
فبدا
بالعنابر فرح النسوان ظاهرا للعيان، فقد نلن حقين وينتظرن البت بمسالة مثنى لرباع ربما يحرم منه الرجال اوينلن مثله سواء
بسواء .
بينما غدا
الرجال تائهون مما يجري ويصير، وبدا لهم انهم الخاسرون، وربح النساء غدا ربحا مصان،
ثابتا لا يرد باي حال، وليس امام الرجال
الا القبول والرضوخ، فالتعديل تم بقرارمن
الكبير الكبير، الرابض بالاعالي ، لا يحده حد ولا يطال مجده
أي مخلوق كان، ولا خالقا غيره، هو
الواحد الوحيد مقرر قواعد الازمان.
فرحةُ
النسوان تبلورت هتافات ورقصات، بكل اللغات،
يتفاهمن بفرحة العيون والابتسامات
واللمسات والتصفيق وبعض الحركات. وينتظرن
جواب الكبير وعيونهن تتابع النبي نوح بنظرات انتظار، وما يظهر علي نوح من علامات واشارات ان الكبير قرر قراره
وحدد اختياره بمسالة مثنى لرباع او ان المسألة لم تنل أي قرار .
واذ نوح يصيح بالجموع وردني القرار، اصمتوا
واسمعوا أيها النسوان صمت الرجال الغاضبين
واعلن بصوت
جهوري كانه بيان انقلاب عسكري فقال
- يبقى حق الرجال مثنى وثلات ورباع محفوظا للذكور دون تغيير، لان طبيعة الذكر محبة
النسوان.
همهمت
النسوان ، همهمات غير مفهومات ،بعضها دليل رضى وبعضها رفض القبول بل واحدة صرخت
بمنطق، يكفيه اثنتان وليترك لغيره اثنتين، على الذكور التخلي عن أنانيتهم بالتسلط الرباعي المدان.
بينما ضجت
العنابر ضجيجا بصياح الرجال، والهتاف
ايمانا بحكمة اليقين العالي ...الذي كون طبيعة الذكور وليس لتكوينه رد او تمرد، ولا تردد وانكار ويوجهون كلامهم للنسوان.
وصاح نوح
صيحته الجهور، ويقول ...وللنسوان حق المثل أيضا لكن فقط بمثنى وربما
بثلاث بموافقة القاضي الحكيم، إذا راي حاجة لذلك تمليها الظروف ، بهدف الاشباع جنسيا
وطعاما وامنا وامانا .
القرار بدا
جديدا جديد، على الرجال وعلى النسوان، وان بدت بعض النسوة به راضيات...
الا ان رد
الفعل الاوضح اتى من بعض الرجال يستهزؤون
ويسخرون..
وهم يقولون
...
-
ويتصارع الأزواج ويتقاتلون ويتعاركون وتتكسر الاضلاع والعظام، وتصرف
الأموال على العلاج واصلاح الحال،
ولربما تقع جرائم وحالات انتحار.
فردت واحدة
من النسوان ممن بدات انها قائدة من
القائدات لقوة شخصيتها ومعقولية حجتها فقالت ...
بل تطمنوا
فحكمة الانوثة وجمالها كافية ليسود الامن والأمان ، فهي كما ترضع الصغار حليب الحياة والحنان، ترضع الكبار بسرير
الغرام من نهديها حليب العشق والشهوة والوئام، وقد قيل // إن كيدهن لعظيم // وانتم فهمتم قول العظيم
بها على غير حقيقته لان المقصود بالكيد هنا
الحكمة وقوة الذكاء افلا ترعوون وتدركون حكمة الكبير الكبير الذي
يدرك ما لا تدركون ويفهم ما لا تفهمون ويقرر ما كان وما يجب ان يكون ...
كلام وتفسير
هذه القائدة ، كان منطقيا ومعقولا ومقبولا
من اكثر الحضور رجالا ونساء، فساد العنابر هدوؤ افتكار واستذ كار وتحليل .
*****
20
وأشرقت شمس
نهار، وعم ضياء، لا رياحَ فيه ولا أمطارْ، والسماءُ صفاءْ، والناس بالعنابر لاهون بالمواليد،
يداعبونهم بلطف شديد، والأطفال يتضاحكون او يرضعون او يبكون، وضجيج أصواتهم يملؤ المكان والزمان، والرجال كلهم، ألأبوات منهم وغير ألأبوات مشغولون بتدليل النساء، ليرقدن ويسترحن، يُرضعن
الأطفال تارة، وتارة يُرضِعن الكبار، ليس رضاعة
التحريم ، بل رضاعةَ الغزل ومتعة التدليل، بل بعضهن يرضعن ذكرين ارضاع كبار، واحد
يرضع النهد اليمين رضع عاشق مفجوع ويداعب فرجها المشحون بشهوة الغرام والثاني يرضع النهد اليسار رضع عاشق محروق ويداعب دبرها الملهوف لدغدغة
الازبار، ووليدها يتسلق الاكتافَ سعيد
بقوة الحب والانسجام.
وسفينة
الاختيار والتجديد، تمخُر عُباب الماء ، مخر قرار واستقرار، متوازنة توازن الأنغام باستقامة الأوتار...
هدوء شامل
يلف المحيط، على مد البصر، للبعيد البعيد،
ماءٌ سَطوحٌ مسطوحٌ يتلوه ماءٌ وماءْ، فالسطح كله ماء محيط ، يحيط السفينة كيف النظرُ يُطَوِّفُ وكيفَ يَطُوفْ. لا صخب ولا ضجيج الا صخب النساء والرجال وصياح وبكاء الأطفال داخل عنابر سفينة الاحلام.
*****
21
بليلة ليلاء
ظلماء، والاكثرية نيام ، الأمهات باحضان الأبوات ، والصغار باحضان الأمهات وربما
الابوات ، الكل عراة مكشوفون، فالعري
بالسفينة صار باب الخلاص من بقايا الزمن القديم، ومن كل تلك الأردان ، لا خيار، تحرر مطلوب ، فالتحرر
صار هو العنوان، فلا يرى بالعنابر الا احضانا
تحتضن أحضان دون خجل او ارتباك، لانه احلُّ الحلالَ لحفظ النوع ودوام الحياة وكل الحيوات، ودونها موت زؤام وفناء ، صار التحرر والاحتضان طقس
صلاة بقوة اليقين وقوة الامال بالزمن الجديد، صار الاحتضان كانه شكل عبادة وتعبد، واعلان الخضوع
لارادة الكبير الكبير العالي بالاعالي الذي لا يعرف مبتداه ولا يعرف
منتهاه...
بتلك الليلة
الليلاء، والكل منصرفون متلحفون بالطقوس، نيام غافون أو مستيقظون لعبادة احتضان،
او ساهرون يتسامرون وبعضهم يتغازلون ويتواعدون ويتشاقون بالهمسات واللمسات...
فجأة حصل بالسفينة ارتجاج، قال بعضٌ بل إرتطام أو اصطدام، وبعضٌ استغرب ما
صار، ودب خوف ودب هُلوع ، وبعضٌ فَهم وأَدرك
أنها علامة بدء انحسار الطوفان، فأسرع للأطراف والحواف يراقب لو يرى بعضَ الأديم من سطح الأرض القديم، وتوقفت السفينة عن المسار، فدب سؤال باي بلاد توقف المسار، وفوق قمة أي
جبل من الجبال...
انكسر الهدوء
انكسار، ودب قلق وخوف وحيرة
واضطراب، وتكثف الظلام ظلام ، لا يرى ماء ولا سماء ولا يرى أديم ، فلا يُدرك
ماذا يَحدثُ وماذا يصير، وماذا سيصير.
توقف المسير،
وتوقف الإبحار، واستقرت السفينة استقرارا،
لكنه غير معروف المكان، وربما نحتاج مرورعدة
أشهر أخرى لمعرفة المكان .
مع انبلاج
الصباح، ازداد الامر وضوحا ، السفينة واقفة وقوفا على غاطسها، لم يعد ممكن ان تطوف
، لقد انحسر الماء ، لكنه مازال حولها بحر
عظيم...
والناس بين
راضٍ وسعيد، وحائر محتار، لا يعرف كيف
ستسير الأمور بعد الطوفان، ومن يشغله المكان...!! اين سيقيم...؟؟ وأي موطن يختار...؟؟ بل طرحت
أفكارا جديدة ومنها لا داع
للانتشار ليتم التجمع باقرب مكان لموقف
السفينة ولتسر الحياة مجمعين كما كنا بالسفينة مجتمعين، ولتسر دورة
الحياة مع مسار الزمان وما يقرره الكبير المقيم باعلى الاعالي، باعلى السموات.
الا انه ليس الكل مع هذه الأفكار.
بينما اغلب الموجودين كانوا ينتظرون ما سيقوله ويخبر به النبي نوح، وبعض لا يصدقون يقولون لا
تتسرعوا قد يعاود الطوفان...
*****
22
كالعادة صاح
نوح بالجموع صيحته الجهور، فقال
- أيها الناس... يا عباد المعبود، اسمعوني وافهموا خُلاصة الكلام ، انتهى الطوفان، واعرفوا ان اول إشارة ثابتة تؤكد
انتهاء زمن الطوفان فتغادرون متن
السفينة هو سماع هدير الوديان والأنهار،
يصم صوته الآذان من تجمع الماء بها وهو
يجري جريانا جبارا. نحو البحار والمحيطات، وعندها تتأكدون انكم قادرون على مغادرة
السفينة لزمنكم الجديد، وتتأكدون وتقررون،
ان الزمن
القديم قد انتهى، بمن كان، وبما
كان، وبمن زال زوال، وما زال قد زال،
وانتم المختارون للزمن الجديد، بالعقل الجديد، والفهم الجديد،
وعليكم تقع مهمة البنيان، والالتزام بإرادة الكبير الكبير، سيد هذا الكون وكل
الاكوان...
بارادته العليِّة بالسماء، توقفت السفينة من حيث
بدأت، فوق قمة جبل الشيخ ببلاد الشام ، وبتسلسل انحسار الماء ستظهر وتبان دمشق الشام، مدينة من اقدم مدن الزمان، منها بدأ العمران ومنها بدأ الزمن القديم، ومنها سيبدأ
الزمن الجديد، دمشق كانت عاصمة العالم القديم قبل روما وقبل واشنطن والقاهرة وباريس وبغداد، عمرها يفوق الافا من
السنين تزيد عن 7000 الاف عام وعام، ولا يعرف كم ستتلوها الاف والاف أعوام، ودمشق باقية
بذات المكان، بقاء الزمان، سيدة
التاريخ وعاصمة الأيام، ومنبت الحب
والعمران والحضارات...
اليها
تغادرون، بعد ان ينحسر الماء، ويتوقف هدير
الوديان، ويجف الاديم ، بها يقيم من يقيم،
ومنها يرحل الراحلون، وكلكم تزرعون
وتأكلون وتصنعون وتفكرون ، وتتناكحون نكاح
حب ومتعة لسعادة الانسان، ونكاح بقاء بزراعة الارحام ، وإنتاج مواليدا، يتلوهم
مواليد، من الان والى أبعد ابعاد الزمان، بإرادة
العلي القدير .
لا يُفكِّرنَّ
احدٌ بالبقاء بالسفينة ، لن يستفيد، لأنها
ستذوب ذوبان، وتختفي كانها ما كانت بيوم
من الأيام .
الكل كانوا
صامتين، يستمعون لمقال النبي نوح، مستسلمون خاضعون خانعون. لا يقطع صمتهم الا بكاء
رضيع، اوثغاء سَخلٍ عضه الجوع، او تغريدة عصفور عطشان.
*****
23
تابع نوح
مقاله ، وقد تبدلت لهجته، وخالطها بعض حزن رخيم، فقال
- انتهت
مهمتي معكم، اطعت الكبير بكم، فصنعت سفينة بها أنقذتكم، ورعيتكم
وصنتكم وخدمتكم، ونقلت لكم قواعد حياتكم بالزمن الجديد، كما رسمها الرسام، وقررها
صاحب القرار، فاحفظوها ولا تخالفوها ، ولا تظنوا
انكم قادرين على مخالفتها، فالكبير
الكبير مهما كان عاليا بالاعالي، يرى ويدرك كل ما تفعلون ، وهذا وعد ووعيد...
- اما أنا...
فسأعود لمستودع الانبياء، هناك مكاني، ورمس
مقامي، الى ان يحين حينٌ جديد يحتاجني
الكبير لطوفان جديد... فيدعوني ويقيمني قيامة التجديد لزمن جديد..
- أحببتكم حبا كبيرا، وسأودعكم الوداع الأخير... الأخير.
وترقرقت من
عيني النبي نوح دمعات، وسُمِعتْ من بين الجموع
بعض شهقات بكاء، الا ان الدموع زينت وجنات كل افراد الجموع بطقس وداع وتوديع...
كانت
اخر مشاهدة لنوح وهو يلوح بيديه
تلويح وداع... واختفى فجأة اختفاءْ... صاح بعض
ينادوه...
لكن لا جواب
لا جواب...
فقط يسمع صدى
النداء...يا نوووووح...يا نووووح
*****
24
استدام الناس
بالسفينة يراقبون انحسار الماء، من أطرافها ومن الحواف ، ويلاحظون ثبوت الإنحسار بمرورالأيام،
يأكلون ويشربون سعداء أحيانا، وأحيانا
تعساء ، أحيانا يبكون، وأحيانا فرحون
يرقصون ويصفقون، وببهيم الليل
يتحاضنون ويتناكحون ، هي سنة الحياة ،وسنة الوجود، هكذا أراد الكبير الكبير سُنَنَ الكون
وسُنَنَ الإنسان والحيوان، وكل أشكال
الحيوات...
من موقع
السفينة العالي فوق قمة جبل الشيخ، راقب
الناس حصول إنحسار كبير، فبانت سفوح الجبل العظيم تميل للشرق نحو مرتفعات الجولان،
وسهول القنيطرة وحوران... وتميل للغرب نحو
سهول البقاع بلبنان، إلا أنهم خافوا مغادرة السفينة لشدة ،
وكثافة الأطيان، فخافوا إن غادروا ينزلقون أو يغرقون بالأطيان او يسقطون باعماق وهاد
ووديان ما زالت مملؤة بالماء امتلاء.
بتتالي الأيام صارت تصل اسماعهم أصوات هدير عظيم، يتردد صداه ما بين سفوح جبل الشيخ العالي ، كأن السفوح تتبادله
فيما بينها بالتتالي، هذا يتلقاه وذلك يرسله ارسالا.
امتلأت القلوب بخوف مُخيف ، وبالعقول سؤال
- ماذا يصير...؟؟
وسُمع بعض ينادون النبي نوح برجاء استجداء واستنجاد، لكن دون جواب، أخيرا
وجد بين الجموع قائل يقول وقد اعتلى منبر نوح
- أيها الناس ، الا تذكرون أن نوحا قال اشارة تأكيد انتهاء زمن الطوفان، سماع صوت هدير
الوديان... فلا تخافوا ما نسمعه هو هدير تدفق
الماء بالوديان والأنهار وهو إشارة خير واستبشار بقرب
انتهاء الطوفان ...
كلام هذا
الحكيم ، هدأ روع الجموع هدوءا كبيرا، فارتاحت
نفوسهم الى حد ما، وصاروا يسألونه وهو يجيب،
ثم صاروا يخاطبونه بالحكيم بل بعضهم نادوه بالقائد العظيم، والناس صارت اليه تلوذ ، وتسمع كلامه وتنتظر قراره ...
*****
25
نسى الناسُ المقررين المختارين من أداروا مسارب الدخول، والعنابر بعز الطوفان، احمد
الاديب، ومحمود الناقد النقاد، ومودي
السيدة الحكيم، وهانيس الشغوفة بكل مشغوف
والدكتور الطيب المديراللطيف، وساندرلا اميرة الصد والصدود...
فاحتاروا ، وتاهوا ، وصاروا بين الجموع ومثل
المجموع
ماذا
يفعلون...؟؟ واكتشفوا انهم أيضا عراة، غير
مستورين ولا يعرفوا كيف يستترون .
فتواصلوا
بالفكر والتفكير يتشاورون ، محتارين.
أحمد يقول
كيف سأصل للمغرب البعيد، ومحمود يقول
ساسير مسار آل عمران من فلسطين لمصر وادي
النيل، فكما ساروا بالطفل يسوع أسير
،
وسُمعت
مودي تصلي وتدعو دعاء للكبير
بالتكبير له والتهليل،
- نحن بأمرك أحياء،
ولأمرك خاضعون، وعن أخطائنا توَّابون اليك، توبة الخلاص، وبكل شرائعك مؤمنون
وملتزمون، التزام عبادة عابد للمعبود، ساعدني
كما اخترتني وأحضرتني، من محاضر وادي النيل العظيم، لعنبر بسفينة التجديد، أن تعيدني عودة كريمة
للنيل العظيم، أرتوي بعذب مائه، وآكل من خيرات
زرعه بأرضه، لأن اليه انتمائي وهواي وهوائي،
هو تاريخي وتاريخ أجدادي من عهد رمسيس لعهد
السيسي، بارك نيلنا وأرضنا وساحلنا
ومواليدنا ونسائنا ورجالنا، بهم ومنهم تاريخنا وعظمتنا بل وعظمة عروبتنا، فاليقين
ايمان بالكبير العظيم، وبعده لا مكان للصغائر ولوثات التفكير والتكفير، وقد وحّد
الكبير شرعه بالزمن الجديد، للجيل الجديد ولكل جيل مولود آآآآآآآمييين
وصاحت بمحمود أيا محمود الحبيب على درب العودة من بلاد الشام لمصر التاريخ والزمان خذني معاااااك... خذني معاااااك .
فرد محمود
عليها يقول وهل لي برفقة لها من الجمال كمال، وانا المرسوم على جبيني للحب عنوان، تفتنني عيون النسوان وتكويرة النهود وألوان الحلمات وسحبة
السيقان واقواس الارداف. تعالي تسيرين جنبي وتغفين بحضني فالحب حلال بكل زمان وأوان،
سواء حب توليد وسواء حب متعة لسعادة
الانسان.
ردت مودي تقول
بعنج ودلال
- اياااك
...اياااك ...حتى لو كان قلبي معاك، ونفسي تهواك، لكن اياااك .
فتدخل
الدكتور الطيوب يقول وهو ممسك بيد ساندرلا
تهرول بجانبه هرولة عصفور حسون غريد.
- بل سنشكل فريقاً،
فكلنا من بلاد ملوك مصرالتاريخ والزمان، تحتمس ورمسيس
وآمون، وملكاتها تيتي ، وأرتي وكليوباترا وفراعنتها حتشبسوت وتوت عنخ امون، فماء أجسامنا
من ماء النيل، يجري بعروقنا وعقولنا وقلوبنا.
فنسير جمعا
نتكاتف ونحن نغذ بالمسير وبليالي سيناء
نتحاضن وننام .
كانت
هانيس اقلهم قلقا، فالشام شامها وشامتها،
ودمشق مدينتها، وبكل احيائها عاشت عمرها، بها بيوتها، ومدارسها، ومدافن أهلها، ومعالم تاريخها، فقط يكفيها ان تغادر باب
السفينة الكبير، لتصير بمروج الغوطة الغربية،
تتهادي وتسير، يحيط بها الخير العميم،
فبعد شتاء الطوفان المرير حل الربيع ببلاد الشام ...
وصاحت باصحابها
تقول ...
- ماذا
تقولون...؟؟
- وباي كلام تهرجون ...؟؟
- أتتركوني لوحدي
وتغادرون...!!
- لن يرحل احد منكم قبل ان تساعدوني بإعادة إعمار داري وقد هدها الطوفان هد تغيير، كلكم
لداري مدعوون ، وعندي تقيمون وتستريحون .
نُعَمِّرُ الدار سويةً، ونفرح بأعادة التعمير،
ناكل أكلنا، ونشرب من نبع فيجتنا، ونسهر سَهرَنا، نغني أغانينا، ونرقص رقْصَنا. ألا
تتذكرون لمة الاحباب بليلة الليالي، وحبيبي
صار حبيبنا، سنعيدها ونستعيد فرحها وما
سرقناه سرقة بذلك الزمن صار حلالا الان.
قال احمد الاديب
العنيد
- سنكتب عن ليلة الليالي من جديد، بحب جديد وعقل
جديد. وسَأقسِّم لكُم تَقاسِيمَ حُبٍّ وحنينْ على أوتارِ عوديَ الشامي.
- هانيس معها
حق، لن نغادر الشام قبل أن نُعيدَ إعمار
دارها، وحديقتها وسوريتها بِالحُبِّ العَمْرَان وليس بِغِلَّة الأحقاد...
كان ضروريا
ان يكرر الكبير الطوفان ليلغي القديم بطوفان جديد، يُبيد من يجب ان يَبيد ويُعيد التجديد بالجديد للزمن الجديد.
💕💕💕💕
تعليقات
- أستاذ دكتور بجامعة الرباط..واديب وقصاص ، وناقد ادبي عميق
تُعد قصة "سفينة الطوفان الجديد للزمن الجديد" عملاً أدبياً ذا أبعاد فلسفية ووجودية عميقة، يعيد قراءة الميثولوجيا الدينية (قصة طوفان نوح) برؤية معاصرة تسقط على واقع الإنسان الحديث وأزماته الراهنة.
1 - المرجعية والتناص// Intertextuality) هو مصطلح نقدي وأدبي يعني تداخل النصوص؛ أي حضور نص أو أكثر داخل نص أدبي آخر. (مثل: آيات القرآن، الشعر القديم، الأساطير)، مما يغني النص الجديد ويزيده عمقاً//
القصة مبنية بالكامل على التناص مع قصة "طوفان نوح" والخليقة، لكن الكاتبة تنزع عنها الطابع التقليدي وتمنحها طابعاً حداثياً ساخراً أحياناً، ووجودياً أحياناً أخرى. نرى ذلك من خلال:
- أنسنة الخلافات: تظهر الكاتبة المجتمعات في حالة عجز وتبادل اتهامات، مما يعكس بوضوح فشل المؤسسات والمذاهب والفلسفات التاريخية المختلفة في ايقاف ومحاربة الشر الإنساني // وهذا واقع ملموس في يوميات الحياة الإنسانية على محيط الكرة الأرضية ،هي مفارقة قاسية تعبر عن مرارة الكاتبة من واقع الفكر اليقيني المعاصر المتناقض مع السلوكيات الاجتماعية اليومية خاصة المخالفة للتبشير اليقيني
تغيير معايير الاختيار: في الطوفان التقليدي، يختار نوح الصالحين بناءً على التقوى والإيمان والاخلاق؛ أما هنا، فتدخل عنصران، الاول هو الرغبة في انقاد بعض الصلحاء الذين سيتم اختيارهم بناء على اسس محددة، من اهمها النشاط الفكري والادبي وانفتاحهم الحر على الحياة. والعنصر الثاني هو: المحسوبية الإنسانية (تمرير العشيقات والأقارب من قِبل المساعدين)، بالإضافة إلى دخول "الأثرياء والمترفين" (السيدة ساندرلا كقائدة لمسرب الصالحين المترفين)، مما يعني ان الفساد البشري متأصل ولا يمكن التخلص منه حتى في لحظات الفناء بالقرار الإلهي./ المقصود ان الطبيعة الإنسانية لا تقبل الكمال /
2 - البنية الثنائية (الزمن القديم والزمن الجديد)
2 - البنية الثنائية (الزمن القديم والزمن الجديد)
تتحرك القصة بين نقيضين:
- الزمن القديم (زمن الأزمة): يتميز بالتطور العلمي والصناعي الموجه للشر (الأسلحة النووية، الغازية، الحروب كحرب غزة، التنافس على النفط والغاز، الفساد الأخلاقي والمادي) هذا الزمن يمثل "الحضارة المادية" التي فقدت روحها ووجدانها - الزمن الجديد (زمن الطوفان وما بعده): يمثله جبل الشيخ ودمشق كرمز للبعث الجديد والعمران، جعلت الكاتبة من دمشق (أقدم عاصمة في التاريخ) نقطة الانطلاق للوجود البشري الجديد، وهي مسحة قومية تاريخية واضحة تعيد للمشرق مركزيته الحضارية، ضد التوجهات الغربية التهديمية / لا يجوز ان ننسي ان من شرقنا الحضاري انطلقت الديانات السماوية الثلاث اليهودية – المسيحية – الإسلامية/
3 - ثيمة "الغريزة والبقاء" (النكاح واللحم المستباح)
تتكرر في القصة فكرة "النكاح"، "الحب المباح"، و"اللحم المستباح" بشكل لافت في عدة مواضع (داخل العنابر أثناء الطوفان، وفي توجيهات نوح الأخيرة)
هذا التركيز يخدم فكرة فلسفية: أن الإنسان في لحظات الخطر الوجودي والتحولات الكبرى والحيرة الحضارية، يعود إلى غرائزه البدائية الأولى (الجنس كأداة لاستمرار النوع، واللذة كآلية دفاعية لنسيان الموت والفناء). الكاتبة لا تدين هذا السلوك بل تعتبره "سنة الحياة وسنة الوجود" لإعادة إنتاج الجيل الجديد./ بل هي تنسجم مع مفهموم بقاء الحياة واستمراريتها وحفظ النوع ولا يمكن ان يتحقق ذلك على مستوى الانسان الا بالنكاح وهنا تظهر قوة وفاعلية الغريزة الجنسية بل سيطرتها على السلوك الإنساني لهذا السبب/
4 - كسر الجدار الرابع والتقنيات الحداثية (الموبايل والرسائل)
من المفارقات السردية في قصة الطوفان الجديد الذكية، إدخال "الموبايل" وشبكات التواصل (واتساب، فيسبوك، جوجل) إلى متن السفينة عبر المساعدة "هانيس". هذه التقنية تكسر تاريخية وقدم السرد الأسطوري وتدمجه بالواقع الرقمي المعاصر،
الموبايل يمثل حبل السرة الذي يربط الإنسان بماضيه وبوعيه الثقافي (التواصل مع الأستاذ أحمد و الأستاذ الناقد محمود)
استمرار عمل التكنولوجيا وسط الطوفان يعبر عن أن "الوعي البشري" والنقد والأدب لا يمكن أن يمحوهم حتى الطوفان الإلهي.
3 - الرؤية الفلسفية لـمفهوم "الكبير الكبير "
تصور الكاتبة الوجود والكون بمفهوم تقليدي تقريبا ، بتبني فكرة وجود خالق للكون باستخدام تعبير رمزي بلقب "الكبير الذي لا كبير قبله ولا بعده". القادر على الخلق وتعديل ما خلق . مقابل مفهوم التكون الطبيعي الالحادي للكون الناكر لوجود خالق . او مفهوم التطور والارتقاء التدريجي للكون واشكال الحياة عليه ، اللافت هنا هو إظهارصفات "الكبير الكبير" إقتباسا من صفات الانسان واشكال مشاعره البشرية البشرية ؛ فهو "يصيبه الحزن"، "يضرب راحة يده اليمنى باليسرى" في إشارة للندم أو العجز عن الإصلاح بالطرق التقليدية التي اعتمدها، ثم "يستشاط غضباً". هذا التجسيد الفلسفي (Anthropomorphism) يعكس رغبة الكاتبة في تقريب القوة الوجودية العليا من المعاناة الإنسانية، وإظهار أن حجم الشر البشري قد فاق كل الاحتمالات. ويلاحظ اعتماد حالة التواصل المباشر بين الكبير ونوح يبلغ الناجين بالسفينة قرارات الكبير الكبير الجديدة. / باعتبارهم بذور انتاج الزمن الجديد/ ، وكأن الكبير الكبير قد قرر اخذ زمام المبادرة للإصلاح بقراراته المباشرة. ومما يثبت هذه الفكرة انه بنهاية زمن الطوفان ودع نوح الناجين واوصاهم بعدم مخالفة قرارات الكبير الكبير ثم "اختفى اختفاء" أي انتهى دوره وعليه فنوح ليس نبيا مبشرا بل ناقلا ومبلغا... وظهور حكيم قائد من بين الناجين كانه تبني لفكرة ان الانسان المخلوق للزمن الجديد غدا مسؤولا عن نفسه مباشرة بمواجهة الكبير الكبير ...
6 - المآل السردي: نشوء السلطة البديلة
6 - المآل السردي: نشوء السلطة البديلة
في نهاية القصة، يختفي نوح (السلطة الغيبية التقليدية ، الرعائية )، ويترك البشر في مواجهة الأطيان والخوف من المجهول. بمواجهة مباشرة بينهم وبين "الكبير الكبير" هنا يظهر شخص الواقعي الإنساني "الحكيم" الذي يعتلي المنبر ويفسر الأصوات ويهدئ روع الناس، فيلقبونه فورا بـ "القائد العظيم". هي تعبير واضح عن حاجة المجاميع البشرية لقائد ينظم مفاهيمها وامورها ويوجهها وهي ملامسة واضحة للنفسية البشرية، دون الدخول باشكليات شكل التنظيم القيادي ... تتعزز هذه الفكرة منذ بداية الطوفان الجديد بفكرة الحاجة للقيادة الجماعية " أدرك نوح ان مهمته اكبر من ان ينفذها وحيدا، مهما كان موهوبا وعظيما...عند الكبير العالي الرابض بالاعالي ، فقرر اختيار مساعدين مقررين ، لقيادة مسارب دخول الصالحين للسفينة"
هذه اللفتة التنظيمية السيكولوجية دقيقة جداً؛ فالجماهير لا تستطيع العيش بدون "أب" أو "قائد"، وبمجرد غياب نوح السماوي ، يصنع البشر "قائداً" جديداً يتبعونه، مما يشير إلى أن دورة إنتاج السلطة والسياسة ستتكرر بنفس الآليات في الزمن الجديد. او ان الكاتبة لم تهتم للدخول بتفاصيل تتجاوز المسائل التي قررت ان تعالجها بالقصة .
7 - الملاحظات الأسلوبية واللغوية
السجع والتكرار اللفظي: تميل الكاتبة إلى استخدام السجع بكثافة (عم الفساد في كل البلاد.. من كل الألوان وضعف اليقين بالمكون والتكوين) والتكرار التأكيدي (رعيداً ورعيد، انفجاراً يتلوه انفجار، عضا وعضا). هذا الأسلوب يمنح النص إيقاعاً مشابهاً للنصوص الأسطورية القديمة ( الملاحم ، الكتب المقدسة، المقامات)، وهو ما يتناسب مع أجواء الطوفان وعظمة الكبير الكبير وقوته ، مستلهما اسلوب السردية الطقوسية ليعبر بها عن اوضاع واهداف جديدة.
المباشرة والتقريرية: في بعض المقاطع (خاصة المقطع رقم 1)، يقع النص في المباشرة التقريرية عند الحديث عن الأزمات المعاصرة (كورونا، أنفلونزا الطيور، حرب غزة). كان يمكن للاستعارات الرمزية أن تخدم النص بشكل أعمق هنا بدلاً من التسمية المباشرة التي قد تضعف أحياناً من هيبة الرمز الأسطوري.
هكذا، تُعَبِّر جملة"سفينة الطوفان الجديد في الزمن الجديد" عن صرخة أدبية ضد واقع إنساني مأزوم. نجحت الكاتبة في دمج الأسطورة الموروثة بالواقع الجديد، والميافيزيقية الايمانية بالسياسة، والغريزة بالوعي، لتقدم رؤية متشائمة في ظاهرها (حتمية الفناء والفساد)، لكنها متفائلة في باطنها (بقاء وعي الإنسان، واستمرار الحياة، ومركزية الحب والتعمير انطلاقاً من دمشق الشام)
يمكن تفكيك هذه الرؤية عبر النقاط التالية:
أ- الجنس كآلية دفاعية وجودية (Survival Mechanism) وليس أداة إصلاح
في المقطع الثامن والتاسع، عندما يبدأ الطوفان في محو العالم القديم، يلاحظ المساعدون أن الناجين داخل العنابر يعودون إلى العري / منطق القصة يفترض خلع القديم فالعري استعارة تعبيرية عن زوال القديم / والتمازج الجسدي بشكل متسارع وسط الذهول والإنكار. هذا السلوك لا يُقدم في النص كـ "خطة واعية" لإصلاح البشرية، بل كارتداد غريزي حتمي.
عندما يشعر الإنسان بالفناء الوشيك واقتراب الموت، تسقط كل المنظومات الثقافية والاجتماعية المصطنعة، ولا يتبقى له سوى "غريزة البقاء والاستمرار" (Eros) في مواجهة "غريزة الموت والدمار" (Thanatos) التي يمثلها الطوفان في الخارج. تمازج الأجساد بالاجساد هنا هو الملاذ الأخير لـ "تأكيداستمرار الحياة" وسط الفوضى المطلقة.
ب- "سنة الوجود" وإعادة إنتاج الحياة
الكاتبة تؤصل لهذه الفكرة على لسان النبي نوح (بالمقطع رقم 10) بالتالي :-
"الا ترى يا نوح العري والعراة، والتناكح رغم الطوفان وهذا الزحام
فقال نوح ...وهو يتضاحك
- إنه الأمر الطبيعي. ...والا كيف ستتفعل الأرحام لإنتاج اجيالٍ جديدة للزمن الجديد...الأمر قرار من الكبير العالي نفسه"
(وبالمقطع رقم 21)، في خطبة نوح الوداعية حيث يقول للناجين:
" تتناكحون نكاح حب ومتعة لسعادة الانسان، ونكاح بقاء بزراعة الارحام، وإنتاج مواليد يتلوهم مواليد..."
ثم تعقب الكاتبة في المقطع 23 مؤكدة:
"هي سنة الحياة وسنة الوجود، هكذا أراد الكبير الكبير سُنَنَ الكون وسُنَنَ الإنسان والحيوان..."
هذا يعني أن الكاتبة ترى في "الجنس والوعي الجسدي" أداة اساسية لإعادة التكوين والإنتاج البشري من نقطة الصفر، والا فالفناء اكيد . واداة أساسية للتجديد والتطوير والبناء بعيداً عن التشوهات والأمراض الروحية والسياسية التي أفسدت الزمن القديم (الحروب، فتاوى الكهان، وأسلحة الدمار الشامل). الحب والمتعة هنا هما القانون الطبيعي الفطري التي أرادها "الكبير" لإدارة الكون، خلال مسيرته وتطوره كسبيل للتخلص من الشرور المتجددة.
ت - الحب والجسد كمعيار جديد لـ "الصلاح"
في الطوفان التقليدي، ينجو الناس بناءً على معايير "الزهد والتقوى الصارمة"، أما في هذه القصة، نجد تحولاً جذرياً في المفاهيم:
"الكبير" يختار السيدة ساندرلا لتقود مسرباً من الناجين، ويوصف هؤلاء بأنهم مالكو أثمن السيارات وناطحات السحاب، وأنهم "بالثراء سواء بسواء وبالحب والجنس سواء لحم مباح او لحم مستباح... لانه ربما بعضهم لا يستحقون العقاب"
المساعدون يمررون العشاق والعشيقات إلى داخل السفينة بناءً على عاطفتهم.
هذه المفارقة تشير إلى أن النص يعيد تعريف مفهوم "الخطيئة والصلاح". الفساد الحقيقي في نظر الكاتبة ليس الجسد أو اللذة في حد ذاتها، بل هو الفساد الإداري، والحروب، والآلات التدميرية، والنفاق العقائدي. بالتالي، فإن العودة إلى الجسد هي عودة إلى "البراءة الأولى" قبل أن تلوثها الأيديولوجيات والمصالح المادية وطحن الشعوب.
نقد وتحليل محمود مودي
- كيميائي صيدلي
- مثقف واديب متعمق وكاتب قصصي وناقد ادبي متعمق بمنهجية علمية واضحة
قصة أسطورية غرائبية جريئة للغاية، تمزج بين الميثولوجيا الدينية، والفانتازيا الساخرة، والنقد السياسي والاجتماعي لتابوهات حياتنا المعاصرة
تبدأ الكاتبة المُبدعة هانيس قصتها، بعالم وصل إلى طريق مسدود تكنولوجياً وأخلاقياً حيث أسلحة الدمار، وحروب الإبادة، غزة، الفيروسات المصنعة
"الكبير في السماء" هنا قرر أن الخلل في "النسخة القديمة" من البشرية لم يعد قابلاً للترقيع، فكان الحل هو المسح الشامل باستخدام الطوفان لغسل الأرض من التكنولوجيا المدمرة وإعادة الإنسان إلى طبيعته الأولى الغرائزية الصرفة
👈 وضع الانسان في حالة عجز وجدال بشري، مقابل إعطاء أدوار النجاة والاختيار لشخصيات من الواقع (نُقاد وكتاب مثل احمد ، محمود ، دكتور طيوب، مودي ، هانيس، ساندرلا) يكسر الجدار الرابع و يمنح القارئ حميمية مع النص أولاً.. وترسخ حقيقة أن الفلسفات اليقينية والموروث القديم ، لم قادرا ليصنع عالما أخلاقيا جديد يسوده السلام والشفافية
👈 بداخل السفينة في رحلة النجاة من الطوفان وتأسيس العالم الجديد.. القرارات التي نُسبت إلى الكبير عبر نوح تحمل نبرة ثورية ونسوية صارخة، وتتمثل في ثلاث طفرات بُنيت على كسر الهيمنة الذكورية
1 - الأمومة كمعيار وحيد للنسب
معضلة من هو الأب؟، وسط الفوضى الجنسية، تم حلها ببراعة بيولوجية ومنطقية، وهي الأم معروفة والأب مشكوك فيه
هذا القرار يعيد العالم إلى المجتمع الأمومي القديم جداً، حيث المرأة هي المركز، ونسب الطفل يعود لرحمها لا لصلب الرجل. هذا نقد لاذع للمجتمعات الذكورية التي طالما ظلمت المرأة بقضايا الشرف والخيانة، كما عبرت عنه إحدى الشخصيات بوضوح
2 - حرية الاختيار للأنثى (المبادرة بالارتباط) تحولت المرأة من مطلوبة إلى طالبة المشهد الذي تختار فيه المرأة الرجل الأسمر الجميل ليكون أباً لوليدها، رغم أنه ليس الأب البيولوجي، يكسر صورة المرأة كغنيمة يتصارع عليها الرجال، ويجعلها صاحبة الإرادة الحرة في تحديد شريكها
3 - تعدد الأزواج
3 - تعدد الأزواج
وهي الطفرة الأجرأ في النص.. المطالبة بحق "مثنى وثلاث ورباع" للنساء كما للرجال، وإقرار الكبير و نوح بحق المرأة في رجلين أو ثلاثة بشروط
هذا التشريع، وإن بدا صادماً، إلا أنه في سياق يوتوبيا السفينة يعتبر تكريساً للمساواة المطلقة.. التبرير الذي قدمته المرأة القائدة بأن حكمة الأنثى ونهديها قادران على ترويض غيرة الرجال وإحلال السلام، يمثل فلسفة السلام الأنثوي مقابل الحروب الذكورية
👈 نمو الأطفال السريع
المشهد في عنبر الاطفال حيث كبر الأطفال فجأة ليصبحوا شباباً وعذارى يملأون المكان بالشبق والحيوية، هو مشهد سريالي يحمل دلالة واضحة
في عالم مهدد بالفناء، لا وقت للطفولة البطيئة. الخالق يسرّع عجلة النضج البشري لضمان التكاثر واستمرار النوع، هذا المشهد يذكرنا بأساطير التكوين الأولى حيث الزمن يُقاس بالتحولات لا بالأيام
👈 نجحت الكاتبة هانيس في تثبيت قواعد العالم الجديد الذي لا يعترف بالهواتف والموبايلات
فكرة التخاطر هنا ليس مجرد قدرة سحرية، بل هو شفافية مطلقة
في الزمن القديم، الهواتف أخفت النوايا وسهلت الكذب والخيانة التي برأ منها الرجال أنفسهم، أما في السفينة، الأفكار تُسمع والمشاعر تنكشف، مما يجعل الكذب مستحيلاً
👈المساعدون المختارون يمثلون نماذج بشرية حقيقية تتصارع حتى داخل يوتوبيا السفينة
هانيس هي صوت الفضول والتساؤل. تمثل العقل الذي يحاول فهم القواعد الجديدة والتأقلم معها، وهي من طرحت (المثنى والثلاث للنسوان)
احمد ومحمود يمثلان الغريزة الذكورية المتنافسة حتى في التخاطر، يتبادلان الغزل والغيرة، مما يؤكد أن الطبيعة البشرية لا تتغير تماماً، بل تتكيف
مودي والدخول في حالة الوجد الصوفي الغرائزي، حيث تندمج الصلاة بالشهوة في مشهد صادم يمزج بين الدعاء والتأوهات، وهو تكريس لفكرة الكاتبة أن "الشهوة جزء من القداسة واليقين" في هذا العالم الجديد
👈 العري في السفينة لم يعد خادشاً للحياء، بل تحول إلى باب الخلاص والتجديد
الكاتبة هانيس بإبداع تطرح فكرة فلسفية عميقة، وهي التحرر الجسدي هنا ليس مجوناً، بل أصبح طقس وجود وقوة يقين
في العالم الجديد، الجنس والأمومة، أصبحت هي التعبير الأسمى عن عبادة "الكبير" واستمرارية الحياة
المشهد الافتتاحي الذي يجمع بين الرضاعة والجنس هو صورة سريالية تمزج بين البقاء العضوي (تغذية الرضيع) والبقاء الغرائزي (تلبية شهوة الكبار)، جاعلاً منهما وجهين لعملة واحدة
👈 مشهد وداع نوح يحمل دلالة يقينية وفلسفية مهمة، نوح هنا ليس حاكماً أبدياً، بل هو أدى مهمته (إنقاذ الصالحين وإرساء قواعد الزمن الجديد) ثم انسحب إلى "مستودع الأنبياء"، هذا الانسحاب هو إعلان لنهاية "الوصاية المباشرة" وبداية "عصر العقل والفطرة". الإنسان الآن متروك ليتدبر أمره بنفسه وفق القواعد الجديدة.
هذا يظهر بوضوح عندما يبرز الحكيم من بين الجموع لتهدئة روعهم عند سماع هدير الوديان. القيادة انتقلت من النبي المُوحى إليه، إلى الإنسان الحكيم الذي يمتلك زمام المبادرة
👈 تشريعات العالم الجديد على أنقاض الهيمنة الذكورية
المجتمع الأمومي
إلغاء نسب الأطفال للآباء ونسبتهم للأمهات بسبب معضلة إثبات الأبوة وسط الفوضى الغرائزية. هذا القرار ينسف جوهر المجتمع الذكوري ويعيد المركزية لرحم المرأة.
فاعلية الأنثى
تحولت المرأة من طرف "مطلوب" فقط ، إلى طرف "طالب" يمتلك حرية المبادرة باختيار الشريك بوضوح وصراحة.
التعدد المزدوج
طرح فكرة حق المرأة في التعدد (مثنى وثلاث) كمعادل لحق الرجل، في محاولة لخلق يوتوبيا تتساوى فيها الغرائز وتنتفي فيها أسباب الصراع الناتجة عن تملك الأجساد.
العري كحالة شفافية
العري كحالة شفافية
العري في عنابر السفينة لم يُطرح كفعل إباحي مجاني، بل كحالة من "الشفافية المطلقة". سقوط الملابس هو سقوط للأقنعة والنفاق الاجتماعي الذي ميز الزمن القديم
الجنس كطقس تعبدي واستمراري
استطاعت الكاتبة المُبدعة هانيس أن تحول الجنس من خطيئة أو شهوة مخفية إلى طقس بقاء مقدس يحظى بمباركة "الكبير". التكاثر هنا هو الوسيلة الوحيدة لإعادة إعمار الأرض، مما ألغى كل أشكال الخجل المرتبطة بالجسد
👈 برع النص في خلق صدمة أسلوبية عبر المزج بين قاموس يقيني كلاسيكي شديد الفخامة (الكبير، الرابض بالأعالي، رعد رعيد) وبين قاموس معاصر وأحياناً شديد الصراحة في الوصف الجسدي (النكح، الأكساس، الأزبار). هذا الاصطدام اللغوي مقصود لتهشيم التابوهات وصناعة سخرية سوداء لاذعة
الشفافية التخاطرية
استبدال الهواتف المحمولة بالتخاطر العقلي كان حيلة سردية ذكية تمنع الشخصيات من الكذب، وتجبر الجميع على مواجهة حقائقهم الداخلية بلا فلاتر
👈 نهاية القصة
مركزية الشرق
هبوط السفينة على "جبل الشيخ" في بلاد الشام، والحديث عن دمشق كأقدم عاصمة، وحنين بعض الشخصيات لـ "نيل مصر"، يمثل رسالة حضارية قوية. الكاتب يعيد مركز الثقل البشري إلى مهده الأول في الشرق الأوسط، مهمشاً الإمبراطوريات الغربية الحديثة التي تسببت في الخرائب العالمية
👈 الخلاصة
قصة سفينة الطوفان الجديد
ملحمة شجاعة، لا تهادن القارئ ولا تخشى كسر أصنامه الفكرية والاجتماعية.. لقد أخذت أسوأ ما في واقعنا المعاصر، ووضعته في خلاط أسطوري، لتخرج لنا بعالم جديد تحكمه الغريزة الصافية، والصدق الموجع، والمساواة المطلقة.. هو نص يثير الصدمة،
ملاحظة شخصية..من الكاتبة على التحليلين المحترمين والذكيين لكل من الدكتور احمد رضوان والأستاذ الاديب الناقد محمود مودي وقد ختم تحليله بهذه العبارة
هو نص يثير الصدمة، الاستفزاز، والتأمل العميق في آن واحد.
لذلك لم تتحمل إدارة المنتدى هذه الصدمة وخافت منها، فألغت نشر القصة بالمنتدى بموقف يستحق ان يؤسف له...ساقارن لإدارة المنتدى موقفها بين وبين
- تسمح بنشر قصة حول اب يفض بكارة ابنته دون وازع من ضمير او دين او وجدان ، او قصة اخت تساحق اختها، او ام تعاشر ابنها، بسقوط أخلاقي أسري مريع ، ولا تسمح لقصة تحمل رؤى إصلاحية وتجديدية تخدم خير المجتمع وسعادته واستقراره وتدين الحروب والظلم والاحتلالات والاستعبادات
لن اناقش إدارة المنتدى على تصرفهم الغريب غير المفهوم، فقط ساكتفي بكلمة... واااا اسفاه.
إرسال تعليق